دان إيمانويل ماكرون، خلال العشاء الأخير لـ«المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية» (كريف)، معاداة الصهيونية باعتبارها أحد أشكال معاداة السامية، معلناً نيته إدخالها ضمن التعريفات المعتمدة للأخيرة. وقد جاء هذا القرار تلبية للمطالبة المستمرة للمنظمة الصهيونية المشار إليها. تتحرك هذه الأخيرة في إطار حملة بنيامين نتنياهو التي تستهدف حركات التضامن مع فلسطين، وفي مقدمتها حركة المقاطعة «بي دي أس». ومن البديهي أن الالتزام الذي قدمه ماكرون باسم التصدي لمعاداة السامية يشكل خديعة متعددة الأبعاد:

ـــ بداية، من الواضح أن الاهتمام المتنامي لماكرون بالعداء للسامية، مع أن هذا الأخير يتزايد شأنه شأن بقية أشكال العنصرية في فرنسا اليوم، هو محاولة استغلال سياسية رخيصة للمسألة، لخلق إجماع وطني ضد حركة السترات الصفر. الانتفاضة التي أطلقتها هذه الحركة ضد غلاء المعيشة لم تتوقف، ولم تُبدِ أي علامة ضعف. نزع الشرعية عن هذه الحركة الاحتجاجية، عبر اتهامها بالترويج للاسامية، بات أمراً حيوياً بالنسبة إلى النخبة الحاكمة، الأمر الذي لم تتردد شخصيات من أمثال برنار هنري ليفي، ووسائل إعلام كـ«لوموند» أو فضائيات كـ«بي أف أم» في فعله. ما نشهده اليوم، من خلال قيام ماكرون بتوسيع تعريف اللاسامية بطلب من الـ«كريف»، هو صياغة ما يشبه العقد الأيديولوجي بينه وبين جميع هؤلاء، نتيجة تقاطع كراهية الفلسطينيين لدى المنظمة الصهيونية مع الاعتبارات السياسية الداخلية للرئيس الفرنسي.
ـــ ثانياً، هذا الموقف يمثل إهانة للفلسطينيين ولجميع المعادين للصهيونية، عرباً وغير عرب، الذين يتم التعامل معهم باعتبارهم خارجين عن القانون. فتمجيد الصهيونية، وإدانة مناهضتها عن طريق ربطها باللاسامية، هما في الحقيقة إدانة للدفاع عن القضية الفلسطينية في فرنسا، ومنع لأي نقد جذري للدولة الصهيونية. نحن أمام مسعى مكشوف للتضحية بنضال الشعب الفلسطيني على مذبح الغايات الوضيعة والقصيرة الأمد للحكومة الفرنسية.
- أخيراً، وهو البعد الثالث للخديعة، لا حاجة إلى أي إضافة على الترسانة القانونية الفعالة الخاصة بمواجهة اللاسامية المعرَّفة عن وجه حق كأحد أشكال العنصرية (وهناك قوانين أخرى تعاقب بشدة إنكار المحرقة النازية)، ما دامت هذه الترسانة موجودة. ما هي مبررات قانون جديد؟ ليست اللاسامية ما يفسر سلوك السلطات، بل حسابات أخرى يصعب البوح بها. ماكرون والقادة الإسرائيليون غير معنيين باللاسامية، حالهم كحال أنات بيركو، نائب الليكود في الكنيست، الذي علّق على استقبال نتنياهو وزراء من تشيكيا وسلوفاكيا والمجر، قائلاً: «قد يكونون لاساميين، لكنهم يقفون إلى جانبنا»، وحجم مصالحهم المشتركة وازن جداً. يتضح مدى سخف الرئيس الفرنسي وقلة نزاهته عند التذكير بأن فرنسا ترى من الضروري القيام بتجريم العداء للصهيونية، بينما لا يفعل أي بلد آخر ذلك، حتى الولايات المتحدة وإسرائيل.
لحسن الحظ، فإن المقاومة مستمرة. أعداد متزايدة من اليهود في فرنسا ودول الغرب يعون أنهم عرضة للاستغلال من قِبَل استراتيجيات إمبريالية، وأن هذا الاستغلال قد يرتدّ ضدهم. ونحن نشهد بروز جيل جديد من الشبان اليهود المناهضين للصهيونية وللاستعمار، الذين يشاركون في حركة المقاطعة، ويناضلون جنباً إلى جنب مع أبناء مهاجري المغرب العربي في مواجهة العنصرية المعادية للعرب والمسلمين، ويرفضون وضع اللاسامية في مرتبة أعلى من بقية أشكال العنصرية.
ينبغي على الحركة المناهضة للاستعمار أن تدين بحزم المحاولة الإجرامية لمساواة معاداة الصهيونية باللاسامية، وأن تنسج التحالفات الأوسع مع اليسار الجذري المناهض للامبريالية واليهود المعادين للصهيونية، والمضي قدماً في مساندة نضال الشعب الفلسطيني ومقاومته، وتعزيز حركة المقاطعة «بي دي أس».
* عضوا قيادة «حركة أبناء المستعمرات في الجمهورية»