بلفاست | ليست عقدة الحدود بين شطري إيرلندا بالأمر المستجدّ، فقد خلص تقرير سري أعدّه الجيش البريطاني للحكومة في لندن، عام 1989، إلى أنّه «يستحيل عملياً» السيطرة التامة على تلك الحدود الممتدة لأكثر من 500 كيلومتر. هذه الخلاصة جاءت في وقت كانت فيه معظم الطرق الفرعيّة العابرة بين الشمال والجنوب مفخخة بالمتفجرات، أو مغلقة بالحواجز الإسمنتيّة بينما دوريات الجيش وحوّاماته تسيطر عسكرياً على جانبي المنطقة، وتوفر مظلّة حماية دائمة لقوات الشرطة والمراكز الجمركية.

انتهى تقرير عام 1989 إلى توصية وحيدة: إغلاق الحدود نهائياً من خلال تزنيرها بالمتفجرات. كان ذلك تصور المؤسسة العسكرية البريطانية للتعامل مع المشكلة التي خلقها استعمار الإمبراطورية للجزيرة الإيرلندية المجاورة لمئات السنين، قبل أن تضطر إلى مغادرة الجزيرة، في العشرينيات، بعد الموجات الثوريّة المرتدة عن إعلان الجمهوريّة المجهض بالعنف في عام 1916. لكن لندن لم تُرد حينها التفريط بست مقاطعات صغيرة في شمال إيرلندا، حيث كانت تتمركز أهم مواقع صناعة السفن غرب أوروبا، إضافة إلى بقايا أقليّة البروتستانت المنحدرين من مستوطنين غرباء أسكنهم هناك ملوك إنجلترا بداية من عام 1530، ليكونوا رأس جسر في إطار سعيهم لابتلاع الجزيرة الثائرة دائماً، وتحويلها إلى مزرعة محاصيل للإمبراطورية.
أصبحت الحدود المفتعلة الفاصلة بين المقاطعات الشماليّة الست وبقيّة إيرلندا نقطة توتر واشتعال دائمين منذ بداية الخمسينيات، ولم تهدأ إلا في عام 1998، عندما تم توقيع «اتفاقية بلفاست» (أو الجمعة العظيمة كما يسميها البعض) وتضمنت إزالة علامات الحدود بين شطري الجزيرة، بالاعتماد على حقيقة أن المملكة المتحدة والجمهوريّة الإيرلنديّة كلتيهما عضوان في الاتحاد الأوروبي. لكن ذلك لم يكن حلاً دائماً لعقدة الحدود، بل مجرّد تأجيل لها إلى حين تطوّر الأوضاع لاحقاً في اتجاه ما.
على الأرض، تنفس السكان المحليّون الصعداء. وبالفعل، بعد عشرين عاماً على «اتفاقية بلفاست»، نُسيت معالم الحدود، ولم يعد يُعرف بالتحديد أين كانت. حتى إنّه في أجواء «بريكست»، عندما أرادت لندن إعادة استكشاف تلك الحدود استعداداً لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أرسلت فريقاً موسعاً من الموظفين لتوثيق مواقع 208 نقاط عبور، ما احتاج إلى سنتين من العمل قبل تقديم مسوحاته إلى حكومة تيريزا ماي.
عندما تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، في 29 آذار / مارس المقبل، فإن الحدود القديمة بين شطري إيرلندا ستستعاد مجدداً، ليس فقط كفاصل بين المملكة المتحدة والجمهوريّة الإيرلنديّة، بل ستصبح الجدار الغربي الفاصل بين الاتحاد الأوروبي وبقية العالم، تماماً كما الجدار الشرقي بين بولندا وروسيا، والشمالي الملطف مع النرويج. مع ذلك، لن يتعطل تنقل الإيرلنديين بين جانبي الحدود، نظراً إلى أن إيرلنديي الشمال يحق لهم استصدار جوازات سفر إيرلندية إلى جانب جوازات سفرهم البريطانية، ما يجعلهم مواطنين أوروبيين (وكانت غالبيتهم قد صوّتت في استفتاء الـ«بريكست» لمصلحة البقاء في الاتحاد)، كما أن هناك اتفاقية تسهيل عبور بين بريطانيا وإيرلندا، تسمح بتنقل مواطني البلدين من دون جوازات سفر (وإن كانت لندن تلمح إلى إعادة التفاوض بشأنها بعد «بريكست»).

اضطُرت ماي في مفاوضاتها إلى الموافقة على استمرار الوضع القائم


خبرة الاتحاد الأوروبي في إدارة نقاط العبور مع العالم خارج القلعة الأوروبية لا بأس بها. لكن الحدود المستجدة الممكنة بين شطري ايرلندا أشد تعقيداً بما لا يقاس. فبينما يدير الاتحاد 120 نقطة حدود حالياً، تمثل المعابر، بين الشطرين، وحدها ضعفي هذا العدد (208 معابر بريّة إضافة إلى نقاط عبور القطارات). لن يقتصر التعقيد على عدد نقاط العبور، بل ستمثّل إعادة إنشاء الحدود أفضل تجديد لشباب الحملة التي يشنّها حزب «شين فين» القوميّ تجاه إعادة توحيد إيرلندا، في حين ستكون المرافق الحدوديّة هدفاً سهلاً لمقاتلي الجيش الجمهوري الإيرلندي، الذين لا يجدون عملاً، منذ «اتفاقية بلفاست». وحتى لو تمّ استيعاب هذا الأمر، بشكل أو بآخر، فإن مسألة الحدود الجمركية واختلاف التشريعات والمواصفات، بعد 29 آذار / مارس المقبل، ستمثل تحدياً للجميع: بروكسل ودبلن ولندن وبلفاست معاً.
ماي اضطرت في مفاوضاتها مع بروكسل إلى الموافقة على استمرار الوضع القائم على الأرض من دون تغيير، بناءً على ضغوط دبلن التي دعمتها دول الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يعني أن إيرلندا الشماليّة ستبقى دون بقية الأقاليم، جزءاً من الاتحاد الجمركي الأوروبي وسوقه المشتركة، بينما سيتعيّن على بريطانيا إيجاد نقطة جمركيّة بينها وبين إيرلندا الشمالية. هذا الترتيب الذي يرضي دبلن والسكان المحليين، تسبب بغضب الحزب الممثل للأقليّة البروتستانتية (الديمقراطيون الاتحاديون)، الذي يريد البقاء جزءاً من المملكة المتحدة، وكاد يشق «حزب المحافظين» الحاكم، الذي جدّد دعمه لماي شرط التراجع عن مشروع اتفاقها بشأن نقطة الحدود الخلفيّة.
الاتحاد الأوروبي يرفض، إلى الآن، مبدأ قبول إعادة التفاوض مع ماي حول عقدة الحدود، ليس دعماً للحليف الإيرلندي فحسب، بل أيضاً كموقف تاريخي تتعلم منه بقيّة أعضاء الاتحاد، إن هم راودتهم أنفسهم اتباع الخطوة البريطانية. وقد قوبلت اقتراحات رئيسة الوزراء بإقامة حدود مدارة بالتكنولوجيا الحديثة بين شطري إيرلندا بالرفض أوروبياً، على أرضية أن الحلول المتوافرة ليست كافية، كما أن بناء شبكة ضخمة من الكاميرات والدرونات والتقصي الإلكتروني عبر الأقمار الصناعية ستنكأ مشاعر المواطنين حول جانبي الحدود، الذين سيشعرون بأن المراقبة تستهدفهم هم لا الشاحنات العابرة. وقد أشار خبراء التقتهم «الأخبار» في بلفاست إلى أن المزاج سيّئ جداً على الحدود، وأن هناك اتجاهاً بين المواطنين العاديين لمنع تنفيذ أيّ فصل ماديّ بين شطري إيرلندا، ما قد يتصاعد إلى عصيان مدني كامل يفتح بوابة العنف الإيرلندي من جديد.
ماي لو ماكدونالد زعيمة «شين فين»، وقادة الحزب الذين التقوا في دبلن بداية شباط / فبراير الحالي، لمناقشة تطورات «بريكست»، التقطوا نبض الشارع لشن هجوم كاسح على إدارة تيريزا ماي، معتبرين أنه في ظل عدم التوصل إلى اتفاق، فإن البديل سيكون تنظيم استفتاء على إعادة توحيد إيرلندا، وإنهاء الوجود البريطانيّ في الشمال، وذلك وفق ما نص عليه «اتفاق بلفاست»، في حال وجود أغلبية شعبية مؤيدة. ولا شك أن إجراء استفتاء من هذا النوع في هذا الوقت سيعني، وفق غالبية التقديرات، نهاية تاريخية أبدية لحكم لندن، الأمر الذي سيكون صفعة لا تنسى على وجه الإمبراطورية المتقاعدة.
تتراكم كل هذه الضغوط لتضع حكومة دبلن في الزاوية. فقبول الجمهورية الإيرلندية بحلول نصفية بشأن الحدود، قد ينقذ ماي من ورطتها ويسمح باستمرار العلاقات الإيجابية بين الطرفين على مستوى السلطة والطبقة البرجوازية، بينما يشدد الأوروبيون شكلياً على أنهم يدعمون موقف دبلن مهما كان. وهم بذلك ــ برلين وباريس تحديداً ــ يدفعون باتجاه تغريم لندن غالياً، لقرارها ترك عضوية الاتحاد. لكن الأهم من ذلك كلّه، أن حكومة دبلن لن تخاطر باللعب بورقة قد تثير مشاعر غضب وطنية عميقة، إن ظهرت وكأنها تتنازل عن حلم إعادة توحيد البلاد لحماية مصالح النخبة البرجوازية.
مهما كانت نتيجة المناورات السياسية بشأن عقدة الحدود الإيرلندية، خلال الأيام والأسابيع القليلة ما قبل 29 آذار / مارس، فإن مسألة إعادة توحيد إيرلندا تبدو الآن أقرب إلى التحقق من أي وقت مضى. ولن تخفي مكابرة لندن للحفاظ على تراثها الاستعماري العتيق شمال الجزيرة، حقيقة أن جذر المسألة كلها هو الاحتلال المستمر منذ 500 عام، وأن جذوة المقاومة لم تخفت رغم مرور كل هذا الوقت.