فوضى جديدة أضيفت، أخيراً، إلى الحياة السياسية البريطانية، وسط انشقاق ثمانية نواب في مجلس العموم عن حزب «العمال» البريطاني، قبل أسابيع قليلة من مغادرة البلاد للاتحاد الأوروبي «بريكست». رئيس حزب «العمال» جيريمي كوربن، لم يكن يتوقع «تمرّد» الأعضاء الثمانية، في ظل ارتفاع عدد الحزبيين إلى أكثر من 600 ألف منتسب وزيادة شعبيته، وفي مقابل وقوع حزب «المحافظين» المنافس ورئيسته تيريزا ماي، في فخ «بريكست». وإذ جاء ردّه على أزمة حزبه في تعبير عن خبية أملٍ، إلا أن ذلك لم يمنعه من التشديد عبر حسابه على موقع «تويتر»، على أن «سياسات حزب العمال ألهمت الملايين في الانتخابات الأخيرة»، مؤكداً أن «الحزب تحت قيادتي حصد أكبر نسبة تصويت منذ عام 1945». ولكن تفاخُر كوربن لن يكون ضامناً لعدم حصول انشقاق أكبر، وهو ما أشار إليه نائب رئيس الحزب توم واتسون، الذي حذّر من استقالات جديدة. وبانتظار تحقّق «نبوءة» واتسون من عدمها، يبقى السؤال الأهم عن السبب وراء الانشطار الأكبر الذي يشهده «العمّال»، منذ عام 1981، حين استقال أربعة أعضاء بارزين وشكلوا الحزب «الديمقراطي الاجتماعي»؟

المستقيلون الثمانية يقولون إن خطوتهم جاءت احتجاجاً على سياسة كوربن في مسألة «بريكست» ومعادة السامية. وقد اتهمه هؤلاء بتشكيل معارضة ضعيفة لخطط حكومة ماي، وبالفشل في القضاء على موقف متحيّز ضد اليهود داخل الحزب. في المقابل، ظهرت خيوط أخرى في حَبك الانشقاق وسياقاته، خصوصاً بحضور زعيم الحزب السابق توني بلير في صفوفه، الذي يواصل العمل على تفوّق التيار الوسطي، أو «العمال الجدد»، الذي كان قد بدأ في عهده.
تتمثّل النتيجة المباشرة للاستقالة، في انخفاض عدد النواب «العمّاليين» في مجلس العموم إلى 248، بعدما كانوا 256 نائباً من أصل 650 مقعداً. وفيما لا يغيّر هذا الانشقاق في شعبية كوربن، إلا أن الخطوة بحدّ ذاتها تكشف عن أزمة أعمق يعاني منها الحزب، منذ فترة.
من الأسباب الأخيرة وراء الأزمة، هي مسألة «بريكست» التي أدت إلى انقسام في «العمّال»، بين الشباب الذين يرفضون الخروج من التكتل القاري، والأعضاءه الأكبر سناً الذين يبدون قبولهم لنتائج الاستفتاء، التي قضت بالخروج منه. وفيما لا يمنع ذلك من حدوث توافق بين أعضاء الحزب على رفض الخطة التي تتبنّاها ماي، لكنه لا يلغي، أيضاً، واقع أن الحزب لا يملك استراتيجية واضحة بشأن «بريكست»، ما يبقى محلّ جدل واختبار فعلي له. وهنا، ينقسم الاختلاف بوجهات النظر بين البقاء في الاتحاد الأوروبي ــ أو إبقاء هذا الخيار مطروحاً ــ في مقابل الخروج بناء على اتفاق يضمن تأسيس اتحاد جمركي مع أوروبا، والحفاظ على حقوق البريطانيين في العمل، وهو ما يتمثّل في موقف كوربن.

اتهم المستقيلون كوربن بتشكيل معارضة ضعيفة لخطط حكومة ماي


في هذه المعادلة، يظهر تأثير رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، فهو أحد أكثر الساسة البريطانيين دعماً لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي ساهم في توجه قطاع كبير من الشباب نحو تبنّي الرؤية نفسها. بلير كان قد أكد في تصريحات عدّة، أن الوقوف أمام «بريكست» ينبغي أن يكون أولوية الحزب القصوى في المرحلة الراهنة، موضحاً أن إفشال الخروج هو بمثابة بوابة السلطة بالنسبة للحزب المعارض.
فضلاً عن ذلك، تبلور الخلاف بين كوربن «اليساري» وبلير «الليبرالي»، في أوقات سابقة، حين ناشد الأخير مع رئيس الوزراء السابق غوردان براون، الناخبين بعدم التصويت لصالح المرشح اليساري. ووصف بلير سياسات كوربن، بأنها «سياسيات أليس في بلاد العجائب»، أي أنها بعيدة عن الواقع، بعد رفضه لطروحات كوربن الاقتصادية، ومنها مقاربته في برنامجه «الاقتصاد في 2020»، لمفاصل اقتصادية جديدة، منها التأميم وزيادة الضرائب على المداخيل العالية والثروة، واستحداث مصرف للاستثمار العام، وغيرها من السياسات التي تطيح ما اتفق عليه «العمّال الوسطيون» و«المحافظون» في الثلاثين سنة الماضية. لم يقف بلير عند هذا الوصف، ففي عام 2015، أطلق لقب «يسار اليسار» على جناح كوربن في الحزب. بلير وكوربن يتعارضان، أيضاً، في النظرة إلى السياسة الخارجية، فالنائب اليساري الراديكالي كان قد سجّل موقفاً ضد حرب العراق، مصرّحاً في أكثر من مناسبة بأنه «حان الوقت ليقدّم حزب «العمال» اعتذاراته للشعب البريطاني، لجرّه إلى الحرب في العراق على أساس كذبة، وإلى الشعب العراقي عن المعاناة التي ساهمنا في التسبب فيها». كذلك، يعارض كوربن، بشدة، سياسات الحرب، بشكل عام، ويشارك في حملات مضادة للتسليح النووي، داعياً إلى نزع الأسلحة حتى لو كان من جانب واحد.
أما المسألة الأهم التي يتعارض فيها كوربن مع بلير، وغيره من المُحازبين والسياسيين البريطانيين، فهي النظر إلى «معاداة السامية»، والتي كانت سبباً وراء اتهامات طالما طالت كوربن، وأُعيد تحريكها في الفترة الأخيرة. وفي هذا المجال، تجدر الإشارة إلى أن خمسة من النواب الثمانية المستقيلين ينتمون إلى منظمة الضغط الداخلية القوية، المُسماة «أصدقاء إسرائيل في حزب العُمال»، والتي تعمل على تعزيز المصالح الإسرائيلية. ويكفي ذلك لأن يضيفوا عبارة «معاداة السامية» إلى خطاباتهم، ولأن يكون كوربن خصماً لهم. فمنذ انتخابه، واجه كوربن انتقادات واتهامات بمعادة السامية، أو على الأقل بأنه «فشل في تحجيم العناصر المعادية لليهود داخل الحزب». وقد وصل الأمر بصحيفة «ذي ديلي ميل»، إلى توصيف الوضع بالقول إن هناك «حرباً أهلية في حزب العمال بسبب معاداة السامية»، في حين وصفت مجلة «ذي إيكونوميست» هذه الحالة معتبرة أن «إسرائيل وفلسطين ترسمان علاقة الحزب مع يهود بريطانيا»، ومؤكدة أن كوربن «كرّس الكثير من حياته المهنية للقتال من أجل حقوق الفلسطينيين». وبالنظر إلى أهمية الحجّة التي يمكن أن يوفّرها الاتهام بـ«معاداة السامية»، فقد باتت تتدرّج أخيراً لتصعد على رأس الانتقادات التي تطال كوربن، الأمر الذي حدا بمؤيّديه التأكيد أن هذا الاتهام مبالغ فيه، مشيرين إلى أن وراءه «دوافع سياسية». الأسباب التي تقف وراء هذه الحملة كثيرة، ومن أبرزها التعريف الذي وضعه الحزب لمعاداة السامية، والذي لا ينسجم مع تعريف التحالف الدولي لذكرى المحرقة، الذي تتبنّاه أحزاب ومنظمات في بريطانيا وخارجها. ورغم أن كوربن لم يرفض التعريف الدولي للعداء للسامية، إلا أنه رفض البند الذي يصف «مساواة إسرائيل»، مع ألمانيا النازية، بسبب ممارساتها واحتلالها، بأنه «أحد أشكال العداء للسامية». بناء على هذه الوقائع وغيرها، كانت الصحف الإسرائيلية أول من شنّت حملة شرسة على كوربن، منتقدة عدم اعتباره «حركة حماس» تنظيماً «إرهابياً»، وتعهّده بفرض حظر على بيع السلاح لإسرائيل، والاعتراف بالدولة الفلسطينية، إن انتُخب رئيساً للوزراء. 
في المحصلة، استطاع «تيار بلير»، أو «التيار الوسطي»، اللعب على تناقضات عدّة، مستغلّاً فترة معقدة داخلياً لتوجيه ضربة ضد كوربن. وإن كان من واقع وراء ذلك، فهو أن بلير لا يزال يملك نفوذاً كبيراً داخل الحزب العريق، الممتد تاريخه إلى 120 عاماً، وأن الهجوم سيستمر على كوربن من داخل حزبه، طالما هو موجود على رأسه، ما ينبئ بإمكانية حدوث انقسامات جديدة، أو بتمظهر الأزمة، وفق أشكال أخرى.



«ذي غارديان»: قرار الاستقالة «خاطئ»
رأت صحيفة «ذي غارديان»، أن قرار أعضاء حزب «العمّال» «خاطئ». وأشارت إلى أنه يذكّر في الوقت ذاته بأن «الحزب لم يكن قَطّ مركزياً، بعدما احتوى على عدد من التقاليد السياسية، وبقي طوال تاريخه، ائتلافاً من نقابات العمال المنظمة وعدد من التقاليد الديموقراطية الرئيسية». إلا أن الصحيفة لم تغفل الإشارة إلى أن هذا «الانشقاق» سيقوّض من سلطة كوربن، الذي يسعى إلى إدارة حزبه في ظلّ أزمة «بريكست». ولفتت الافتتاحية إلى أن «تعرّض الحزب لخروقات كهذه ليس جديداً، لكنه الآن واقع ويجب أن يتعامل معه الملتزمون قضيةَ العمال بنوع من التواضع، ممن يؤمنون بحاجة بريطانيا لحكومة عُمالية، خاصة في سياق بريكست وسيطرة القوميين اليمنيين على حزب المحافظين».
ووجدت الصحيفة أن «المثير للدهشة، أن من استقالوا هم من الطبقة الدُّنيا في الحزب، وعددهم قليل»، مضيفة أن «معظم العُمّال قد يرغبون في قيادة للحزب غير كوربن، وفي الوقت ذاته فإن الكثير من العمال يرغبون في أن يكون كوربن الشخص الذي يدافع عن وضع معين لبريطانيا في أوروبا، وألا يُبتَزّ بشأن معاداة السامية في الحزب». وفي الوقت ذاته، أشارت إلى أنه «لا يوجد ما يدل على أن الغالبية التي صوتت له في عام 2015 و2016 تراجعت عن دعمها لكوربن».
ورأت الصحيفة أن «الاستقالات تظل قرارات شخصية جاءت نتاج إحباط شخصي متراكم، وليست لحظة جماعية سياسية، كما حدث مع روي جنيكينز و(عصابة الأربعة) قبل 40 عاماً، فيما لم يجرِ التحرك لإنشاء حزب أو حتى تقديم برنامج».
(الأخبار)