نقل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، المواجهة مع الديموقراطيين إلى مستوى آخر، أمس، بتوقيعه على إعلان «حال الطوارئ الوطنية»، في إجراء استثنائي يتجاوز من خلاله الكونغرس، بهدف تحقيق أبرز وعوده الانتخابية، وهو تمويل بناء الجدار الحدودي مع المكسيك. ولئن برّر ترامب خطوته بالوقوف في وجه «اجتياح» المهاجرين غير القانونيين والعصابات، إلا أن هذه الحجة لم تقنع الديموقراطيين وعدداً من الجمهوريين، الذي يرون أن الأمر لا يستحق إعلاناً مشابهاً، ما سيفتح الباب أمام معركة قضائية، وأخرى في الكونغرس، قد تطيل الفترة التي ستسبق تنفيذ هذا الوعد.

وتبدّت أولى مؤشرات المواجهة في تنديد قادة المعارضة الديموقراطية الفوري بما اعتبروه «انقلاباً عنيفاً» على الدستور. إذ كتبت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، ورئيس الأقلية الديموقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، أن «الإعلان غير القانوني للرئيس المنطلق من أزمة غير موجودة، هو انقلاب عنيف على دستورنا ويزعزع الولايات المتحدة، من خلال سرقة تمويلات الدفاع التي سنكون بحاجة إليها لدى وقوع أي طارئ على أمن جيشنا وأمتنا».
الخطوة الرئاسية، التي اتُّخذت بعد أسابيع من المماطلة ومعارضة الديموقراطيين، لا تحظى بإجماع في معسكر الجمهوريين أيضاً، ولا سيما أن عدداً من هؤلاء يرون أن القرار الرئاسي عمل منفرد «يمكن أن يؤسس لنموذج جديد وخطير»، سيشجع الرؤساء الديموقراطيين الذي سيأتون بعد ترامب على إعلان الطوارئ، ربطاً بمسائل مثل التغيّر المناخي، وحظر السلاح، والهجرة، والرعاية الصحية.

ندّد قادة المعارضة الديموقراطية بما اعتبروه «انقلاباً عنيفاً» على الدستور


فضلاً عن ذلك، يعتبر هؤلاء أن خطوة ترامب ستؤدي إلى إضعاف سلطة الكونغرس، في اتجاهٍ صدّه الجمهوريون لدى استخدام الرئيس السابق باراك أوباما، القرارات التنفيذية في قضايا مثل الهجرة والرعاية الصحية. حينها، حرّك رئيس مجلس النواب، جون بوينر، دعوى ضدّ أوباما، على اعتبار أن السلطة التنفيذية كانت تنفق أكثر من 130 مليار دولار لم يوافق عليها الكونغرس، في سبيل إعانات مرتبطة بقانون الرعاية الصحية. وفي قرار مفاجئ عام 2015، وقفت القاضية في المحكمة الفدرالية في واشنطن، روزميري كوليير، إلى جانب المعترضين، معلّلة السبب بالحفاظ على صلاحيات الكونغرس.
قضية الجدار الحدودي مختلفة بعض الشيء؛ لأن البيت الأبيض استخدم إعلاناً لحال الطوارئ، كمبرّر لتوجيه الدولارات الفدرالية إلى الجدار. وفيما من المرجح أن تسلك المواجهة مساراً أكثر حدّة، سيكون أمام المشرعين المعارضين واحد من خيارين من أجل منع ترامب من إتمام مسعاه: الكونغرس أو المحكمة.
بالاستناد إلى الخيار الأول، يمكن لمجلسَي النواب والشيوخ أن يتخذا «القرار المشترك» لإنهاء حالة الطوارئ، إذا كانا يعتقدان بأن الرئيس يتصرّف من دون مسؤولية، أو إذا ما وجدا أن التهديدات التي تذرّع بها قد تبدّدت. بناءً عليه، قد يتمكن الديموقراطيون من إمرار هذا القرار، بوجود غالبية مريحة لهم في مجلس النواب. بعدها، سيكون على مجلس الشيوخ طرح مشروع القانون على التصويت في غضون 18 يوماً. وبما أن الديموقراطيين هم أقلية في مجلس الشيوخ، فهم بحاجة إلى دعم بعض الجمهوريين من أجل إمرار القرار، الأمر الذي من الممكن أن يتحقق بانضمام حوالى ستة جمهوريين، بدافع القلق من السابقة التي سيرسيها إعلان ترامب. لكن، وكما في مواجهة أي مشروع قانون آخر، سيستخدم ترامب الـ«فيتو» لمنع إمراره، وخصوصاً أن من غير المتوقع أن يحصل القرار على غالبية الثلثين.
من هنا، يبقى أمام الديموقراطيين واحد من خيارين: إما دعم دعوى قضائية يرفعها طرف ثالث ضد إعلان الطوارئ، أو رفع دعوى خاصة بهم. وهذا المسار بدأ، فعلاً، بإعلان المدعية العامة لولاية نيويورك، الديموقراطية ليتسيا جايمس، نيتها اللجوء إلى القضاء، قائلة في بيان: «لن نتسامح مع سوء استخدام السلطة هذا، وسنقاوم بالطرق القضائية المتوفرة لنا». وفيما اعترف ترامب بأنه يتوقع حدوث ذلك، اعتبر أن الفوز سيكون لمصلحته، في تعبير متجدد عن اطمئنانه إلى القضاة المحافظين الذين عيّنهم في المحكمة العليا، أعلى سلطة قضائية في البلاد.