في معادلة الأفعال والنتيجة، تُعدّ إسرائيل خاسرة في مواجهة إيران. لا يعني ذلك أن خططها كانت محدودة؛ إذ إنها فاقت في كثير منها القدرة الإسرائيلية نفسها بوصفها جزءاً من كلّ، اشترك فيه الغرب وعرب الاعتدال طوال العقود الماضية، بل لأن النتيحة في ذاتها كانت ولا تزال مستعصية على التحقق. الأمنيات توضّحت منذ اليوم الأول لانتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. في حينه، «ضُرب على رأس» الأنظمة الخليجية وإسرائيل في الإقليم، والشرق والغرب، بما يشمل الولايات المتحدة وأتباعها والاتحاد السوفياتي وأتباعه، على خلفيات متباينة، لكنها في المحصّلة تهدف إلى نتيجة واحدة: إسقاط نظام الجمهورية الاسلامية.

في ما يتعلق بإسرائيل، خسرت حينها حليفاً رئيسياً لها، بما شكّل كارثة على «استراتيجية الأطراف» التي اعتمدتها تل أبيب منذ أيام بن غوريون، والتي تتمثّل في الائتلاف مع دول مثل إثيوبيا وإيران وتركيا لمواجهة الطوق العربي، ودفعه إلى اليأس من المواجهة والتسليم بوجود إسرائيل. خسارة إيران بعد ثورتها دفعت إسرائيل إلى العمل على قلب استراتيجية الأطراف، ليس لأنها سقطت مع سقوط الشاه، بل كذلك لضرورة مواجهة التهديد الجديد في ظلّ الاقتراب العربي منها: تقلّص التهديد العربي إلى حدّ الائتلاف معها، مع بقاء سوريا وحدها تقريباً في المواجهة، إلى جانب إيران التي لا إمكان للتسوية معها على خلفية العداء الأيديولوجي غير القابل للتليين والمساومة.
في المقابل، لم تكن خشية معظم الأنظمة العربية خافية، وتحديداً الأنظمة الخليجية التي تعاملت مع الثورة الإسلامية منذ اليوم الأول بعدائية، على رغم أنها رفعت شعار دعم القضية الفلسطينية. تعاملت هذه الأنظمة مع إيران بوصفها تهديداً لها، خاصة أن التهديد يتعلق كذلك بإمكانية استنهاض شعوبها. النتيجة العملية لهذه الخشية كانت الانجرار الطوعي خلف الإرادة الأميركية - الإسرائيلية، ومحاولة إسقاط النظام الجديد، عبر تمويل حرب عراق صدام حسين عليه، المدفوعة من الغرب في حينه. وهنا مفارقة الدفع: الدفع لتمويل الحرب في حينه، والدفع لتمويل الائتلاف ضد إيران الآن، والحرب إن أمكن. وبطبيعة الحال، ما بين الزمنين من دفوعات يستعصي حصره لكثرته، ضدّ نظام الجمهورية الإسلامية وحلفائها في المنطقة، وعلى رأسهم سوريا، المقارع الوحيد لإسرائيل في زمن الارتداد العربي.
من ناحية إسرائيل، كل ما أمكن، وربما أيضاً ما لم يمكن، عملت عليه لإسقاط النظام الإسلامي أو احتوائه، أو منع القدرة عنه في مختلف المجالات، ومن ذلك منع تأثيره في المنطقة وتمدّد تحالفاته المبنية على رفض الاحتلال وداعميه. هي أربعون عاماً من المواجهة، كانت مشبعة إلى حدّ الإفراط بالعمل ضدّ إيران. المحصّلة أن الفشل لم يكن وحده النتيجة، بل إن إيران نفسها استطاعت احتواء التهديدات، وأن تُعظِّم فرصها وقدراتها، ومن بينها نقل حدودها إلى تخوم إسرائيل. نجحت إيران مع حلفائها في قلب التموضعات، من الدفاع والصدّ الهادف، إلى منع الإسقاط، إلى تموضع مغاير مع قدرات هجومية دفعت إسرائيل إلى التراجع والبحث في خياراتها المتاحة لمنع تعاظم هذا التهديد، الذي تضاعفه خسارة الرهان على إسقاط النظام في سوريا، والخشية من إعادة العمل على تطوير القدرات العسكرية السورية.
باختصار، يبدو المشهد من هذه الزاوية الأكثر قرباً للواقع، والبعيد عن الضجيج الإعلامي العبري المصحوب بصدىً عربي «معتدل» في تظهير تحالفاته، التي تندرج ضمن سياق العمل المشترك مع تل أبيب وواشنطن، على محاولات إسقاط إيران أو احتوائها أو صدّها. لم يعد خافياً أن الفشل الإسرائيلي مشترك مع أتباع الولايات المتحدة في المنطقة، بما يشمل معظم دول الخليج التي شاركت إسرائيل مساعيها وخياراتها العدائية ضد إيران طوال السنوات الأربعين الماضية، وما زالت. وهذه الخسارة مشتركة تبعاً للفشل المشترك.