لعبت أسواق البازار الإيراني، بكلّ ما تحتويه من مكونات، وما تعقده من تحالفات، دوراً أساسياً في تركيب البنية الحاكمة لإيران على مدى عدة قرون ماضية. ولم يغب هذا الدور عن الثورة الإيرانية التي انطلقت عام 1979، فقد كان لأسواق البازار إسهام مهم في دعم الثورة وإنجاحها، عندما وضعت كتفيها إلى جانب رجال الدين بقيادة الإمام الخميني بهدف إسقاط محمد رضا شاه بهلوي. لعلّ الوضع الاقتصادي السيء، الذي خلّف الحكم الشاهنشاهي الشعب الإيراني فيه وانعكاسه على التجارة في البازار، هو ما دفع الأسواق إلى عقد هذا التحالف حينها ضدّ بهلوي، الذي فتح الأراضي الإيرانية أمام الشركات الأميركية للسيطرة على خيرات الشعب الإيراني ومقدّراته.

ولأن الهيمنة الغربية على معادن إيران وثرواتها كانت تمسّ حياة المواطن الإيراني مباشرة، وبالتالي تتحكّم في مسار الاقتصاد الإيراني، فإن الثورة الإيرانية رفعت منذ أيامها الأولى شعارات تقوم على الدعوة إلى الاستقلال الاقتصادي عن الغرب، والمطالبة بحماية الاقتصاد من التهديدات الإمبريالية والعولمة. بقيت هذه الشعارات حاضرة كمطالب ورؤى وتصورات، إلى أن حانت لحظة توضيح المسار الاقتصادي للبلاد، والتي افترقت عندها الآراء الفقهية والسياسية إلى فئتين: فئة تؤيد تدخل الدولة في شؤون الاقتصاد والأراضي والتجارة الخارجية، ووقف على رأسها رئيس مجلس الشورى الشيخ هاشمي رفسنجاني، ورئيس الوزراء مير حسين موسوي. وفئة أخرى دعت إلى حرية التجارة وعدم تدخل الدولة، وكان يتصدرها السيد علي خامنئي الذي كان رئيساً لإيران حينها، وتسلّح في ذلك الوقت بدعم مجلس صيانة الدستور، الذي اتخذ موقفه إلى جانب خامنئي انطلاقاً من رؤية دينية فقهية. استمرّ هذا الخلاف إلى أن حُسم من قِبَل السيد الخميني، الذي لم يؤيّد نوايا خامنئي التي كانت تقضي بإقالة رئيس وزرائه مير حسين موسوي، وهذا ما فُهم على أنه تأييد للخط الاقتصادي الذي تبنّاه رفسنجاني، والذي يقترب من المبنى الاشتراكي في الاقتصاد.

رفعت الثورة منذ أيامها الأولى شعار الاستقلال الاقتصادي عن الغرب


وقد حافظت إيران، طوال فترة الحرب العراقية - الإيرانية، على هذا النوع من الاقتصاد المنغلق، وهو ما سُمّي حينها باقتصاد الحرب. لكن انقشاع غمامة المواجهة مع النظام العراقي، وانخفاض أسعار النفط، وزيادة نسبة التضخم في البلاد، وبداية مرحلة بناء الدولة، كانت تقتضي من الشيخ هاشمي رفسنجاني أن يغير مساره ونظرته الاقتصادية، فاعتبر أن التطوير والإعمار في البلاد لا يكون إلا بالانفتاح الاقتصادي وفتح الأسواق الإيرانية أمام الاستثمارات الأجنبية والائتمانيات المصرفية. وبحسب الكاتب الإيراني، عماد أبشناس، فإن هذا النهج الذي بدأه رفسنجاني، أَكمله من بعده كل الرؤساء الإيرانيين الذين تعاقبوا على الحكم، إلى أن تغيرت ثقافة الشعب، وأصبح المجتمع الإيراني مجتمعاً استهلاكياً. ويعتقد أبشناس، في حديثه إلى «الأخبار»، أن رفسنجاني بهذا المسار كان يطمح إلى ربط العلاقات السياسية بالاقتصادية، مضيفاً أن رجل البازار الإيراني (رفسنجاني) كان يرى أن الانفتاح الاقتصادي سيقود إلى توطيد العلاقات السياسية مع دول العالم.
مع مرور الأيام والسنوات، تبيّن لطهران أن الأسواق الإيرانية ليست بالأسواق المغرية التي تجعل الاستثمار الأجنبي يجازف بتحمّل عبء العقوبات الأميركية والغربية عليه جرّاء بقائه فيها، ولذلك بدأ المرشد السيد علي خامنئي بالترويج لمصطلح جديد اسمه «الاقتصاد المقاوم»، وقد اعتُمد هذا المصطلح شعاراً للعام الإيراني المنصرم. وعلى رغم أن خامنئي دعا المسؤولين والشعب في إيران إلى الاهتمام بهذه الخطة، والعمل على تقسيمها إلى نقاط رئيسة، إلا أن عماد أبشناس يأسف لعدم وجود اتفاق إيراني على ماهية «الاقتصاد المقاوم»، مُرجعاً التقاعس في ذلك إلى أن بعض المسؤولين السياسيين والاقتصاديين في البلاد ما زالوا مرتبطين بأفكار اقتصادية قديمة، تمنعهم من التأقلم مع الظروف الجديدة، التي تتطلّب برأيه إبداعاً من أجل حلّ المشكلات الاقتصادية التي تواجه البلاد.
لعلّ أهم المشاكل التي تواجه الاقتصاد الإيراني هي أنه اقتصاد قائم بالدرجة الأولى على صادرات النفط والغاز، والتي حازت إيراداتها مطلع الألفية الثالثة على 80% من مجموع واردات الصادرات الإيرانية، ولذلك كانت الموازنة السنوية الإيرانية تعتمد بالدرجة الأولى على عوائد النفط ومشتقاته. ووفقاً لعماد أبشناس، فإن «نسبة الاعتماد على النفط في موازنة عام 2011 وصلت إلى 70%، بينما تعتمد الميزانية الإيرانية المنتظر تطبيقها العام المقبل على النفط بمقدار 27%». انطلاقاً من هذه التحولات الجارية على الميزانية الإيرانية، يتصوّر الكاتب الإيراني أن هذا التحول هو ثمرة إيجابية قطفتها إيران من شوك العقوبات الأميركية التي فُرضت عليها طوال السنوات الماضية؛ فاضطرار الحكومة الإيرانية للاعتماد على الضرائب، وتفعيل الإنتاج الداخلي لتحصيل تلك الضرائب، يُعتبر برأيه سبيلاً وحيداً لتغيير مدخول البلاد.