لم تكن مصادفة أن يكون شعار «استقلال» هو الأول بين الشعارات الثلاثة التي صدحت بها حناجر الملايين المحتشدة في شوارع مدن وبلدات إيران: استقلال، حرية، جمهورية إسلامية. فالثورة الإسلامية في إيران كانت جزءاً لا يتجزأ من الثورات الكبرى التي اجتاحت بلدان الجنوب ضد الاستعمارين القديم والجديد من أجل التحرر الوطني. ومنذ انتصارها، شكل الحفاظ على الاستقلال الوطني والعداء للإمبريالية دعامتين أساسيتين بين دعائم نظامها السياسي الذي أشرف على تأسيسه قائدها الرؤيوي الفذ، الإمام الخميني. هذا هو سر كراهية الولايات المتحدة المنقطعة النظير لإيران والمستحكمة منذ أربعة عقود.

وكان مثقفون ثوريون كمرتضى مطهري وجلال آل أحمد وعلي شريعتي قد ساهموا، إلى جانب آلاف المناضلين، في تعميق الوعي المعادي للإمبريالية بين جماهير الشعب الإيراني خلال مرحلة المخاض الطويل التي سبقت الثورة. لكن دور شريعتي كان متميزاً في هذا المضمار، إذ سمح تفاعله مع حركات تحرر وطني في بلدان أخرى ومع بعض مفكريها، كفرانز فانون مثلاً، واطلاعه على الفكر النقدي العالمي، في بلورة فهم دقيق لاستراتيجيات الإمبريالية وفي بناء الأسس الفكرية لمقاومتها. صاحب «التشيع العلوي والتشيع الصفوي» شارك في بعث الأول كمرجعية فكرية وسياسية، وكقوة روحية ووجدانية لجماهير الشعب في مواجهة الاستعمار والاستبداد.

الإسلام سلاح الشعب ضد الأعداء المحليين والدوليين
يقول شريعتي في «دين ضد الدين»: «إذا استغل الدين من السلطات الحاكمة لحفظ مصالحها، فستحصل أسوأ فاجعة يسحق فيها الإنسان في الأنظمة المعادية للإنسانية ويصبح الدين شهيداً في سجلات التاريخ. إن رسالة المفكر الحر تتجلى في العمل على إنقاذ هذه الضحية، وإحياء شهيد التاريخ هذا لا نفيه وتلويثه وتكذيبه. فإن لم يقم المفكر الحر بذلك، فإنه يكون شريكاً لأعداء البشرية من الجلادين والسحرة والكهنة والفراعنة الذين اغتالوا الدين وأردوه قتيلاً خدمة لمصالحهم الطبقية الضيقة».
أحد الاستنتاجات التي توصل إليها المناضل الشاب، الذي اعتقل إثر قيام المخابرات الأميركية والبريطانية بالإطاحة برئيس وزراء إيران محمد مصدق، هي أن نجاح هذا الانقلاب ارتبط بقدرة نظام الشاه على استغلال نمط من التدين، «التشيع الصفوي»، يؤدي إلى تحييد قطاعات واسعة من الشعب عن المعركة من أجل الاستقلال والعدالة. علي شريعتي كان مدركاً للطاقة الثورية الكامنة في الإسلام. ففي أنحاء العالمين العربي والإسلامي، اصطدمت الغزوات التوسعية الغربية بمقاومات شعبية ضارية رفعت الراية الإسلامية.
تندرج في هذا الإطار ثورات الشعب الجزائري التي لم تتوقف ضد الاستعمار الفرنسي طوال القرن التاسع عشر، وثورة الريف المغربي ضد الاستعمارين الفرنسي والإسباني، والحركة المهدية في السودان ضد الاستعمار البريطاني، والحركة السنوسية في ليبيا ضد الاستعمار الإيطالي، وثورة العشرين في العراق ضد الاستعمار البريطاني، وثورات ومقاومات أخرى في الهند والصومال ونيجيريا. الأمر نفسه انطبق على إيران وثورتها الدستورية في بدايات القرن العشرين، ومن ثم على حركة «فدائيان إسلام» المناهضة لحكم الشاه رضا بلهوي، التي أعدم قائدها الشهيد نواب صفوي عام 1956.

جاء انتصار الثورة في إيران لينزع «الورقة الإسلامية» من يد الولايات المتحدة


لكن القوى المسيطرة محلياً ودولياً، خصوصاً مع صعود الهيمنة الأميركية، حاولت إفراغ الإسلام من مضامينه الثورية وتوظيفه في إطار استراتيجية مكافحة حركات التحرر الوطني، المتهمة بالتحالف مع «الإلحاد الشيوعي». فقد اتهمت الولايات المتحدة وأذنابها مصدق بالعمل لحساب الاتحاد السوفياتي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى تيار القومية العربية بقيادة جمال عبد الناصر وبقية القوى التحررية في بلدان الجنوب.
كرس شريعتي قسماً كبيراً من جهده الفكري للتصدي لهذه المحاولات لتوظيف الإسلام لمصلحة القوى الإمبريالية ووكلائها المحليين، وإحياء رسالته الحقة. وجاء انتصار الثورة في إيران لينزع «الورقة الإسلامية» من يد الولايات المتحدة، وهي المرة الأولى التي ترفع فيها الراية الإسلامية في مواجهتها بعدما كانت تيارات وطنية أو يسارية تقود عملية الصراع معها، وليدخل مضمون معادٍ للإمبريالية على الفكر السياسي الإسلامي الحديث.

معركة المستضعفين والمستكبرين
لا شك في أن سفر علي شريعتي إلى فرنسا عام 1959 للحصول على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع، وتعاونه خلال تلك الفترة مع مناضلين من «جبهة التحرير الوطني» الجزائرية ومن حركات تحرر أفريقية، وسعت إدراكه لطبيعة المنظومة الاستعمارية ولضرورة وحدة الشعوب المستعمرة في مقابلها. لم ينقسم العالم في نظر شريعتي، أو «أبو ذر إيران» كما كان يلقبه أصدقاؤه، بين مسلمين وغير مسلمين، بل بين مستكبرين ومستضعفين. لقد كان أثر فرانز فانون، الذي تواصل معه شريعتي وترجم بعض أعماله إلى الفارسية، واضحاً في إسهاماته الفكرية، وتحديداً كتابه المرجعي «معذبو الأرض». وهو كشف في إحدى محاضراته، «من أين نبدأ؟»، عن حوار أجراه مع فانون حول دور الدين في عملية التحرر، نجح فيه بإقناعه بوجهة نظره: «فرانز فانون الذي عرفت شخصياً، والذي ترجمت كتبه إلى الفارسية، كان متشائماً حيال مساهمة الدين في الحركة الاجتماعية. كان في الواقع معادياً للدين حتى أقنعته أنه يستطيع، في المجتمعات التي يلعب فيها دوراً مركزياً على المستوى الثقافي، أن يساعد عبر موارده المعنوية والنفسية، العناصر المستنيرة على قيادة مجتمعاتها نحو نفس الوجهة التي يريد فانون قيادة مجتمعه إليها من دون اللجوء إلى الدين».
تتعدد السبل للوصول إلى التحرر من الاستعمار والاستغلال لكن وحدة الهدف تجمع بين سالكيها من منظور شريعتي. لقد كان التناقض مع الإمبريالية هو التناقض الرئيسي بالنسبة إليه، وهو إلى اليوم التناقض الرئيسي بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية التي بلغ التوتر بينها وبين الولايات المتحدة مستويات لا سابق لها في الأوان الأخير.
لم يفضِ مرور الزمن إلى تبريد حدة العداء، والمواجهة ما زالت مستمرة.