لندن | تتّسم الصورة عن الصراع الأميركي ــــ الفنزويلي، الذي أخذ طوراً جديداً هذا الشهر بتنصيب السلطات الأميركية منتحل صفة غير منتخب رئيساً للبلاد، بتشويه كثير ومتعمّد للحقائق، وتلاعب بالوقائع لم تَسْلم منه التيارات اليسارية الغربية من الولايات المتحدة إلى أوروبا فالشرق الأوسط. شعوب الجنوب الفقير جميعها ستخسر كثيراً بانطفاء شعلة الثورة البوليفارية، على رغم كل عيوبها، وستغلق بوابة أمل لنهوض مشروع تضامن بينها لا يمرّ في المركز الشمالي الغني.

لا يحتاج الفنزويليون تحديداً إلى أن يتلقوا نصائح من الإمبرياليين العريقين في الولايات المتحدة وأوروبا في شأن الديمقراطية وإجراء الانتخابات، ولا أن يُعيَّن لهم برجوازي فاسد رئيساً بفرمان إمبراطوري من البيت الأبيض بدلاً من رئيسهم الشرعي المنتخب. وهو أمر يعلمه هؤلاء الأسياد السابقون تماماً، ويعرفون أن الشعب الفنزويلي، قبل قيادته، لن يأخذ هذا الهراء على محمل الجدّ، لكنهم مع ذلك يستمرون في ترديد النصائح وإصدار التهديدات وتحديد مواعيد مستحيلة لتنفيذ طلباتهم، وكل غرضهم خلق فضاء من الضجة المفتعلة يغطي لهم داخلياً أمام شعوبهم، قبل الفنزويليين، ذلك التحالف الآثم الذي تقوده الولايات المتحدة بالأصالة عن ذاتها وبالنيابة عن المنظومة الرأسمالية العالمية لإسقاط حكومة الثورة البوليفارية التي يقودها الرئيس نيكولاس مادورو.
هذا التحالف البنيوي والموضوعي بين دول الشمال الغني ضد فنزويلا (وضد أي دولة من دول الجنوب عموماً تتجه إلى تحقيق استقلال حقيقي والخروج من ربقة المنظومة) لم يكن وليد اللحظة عندما تظاهرت المعارضة في العاصمة كاراكاس، وأعلن رئيس «الجمعية الوطنية» المنحلّة استعداده لتولي منصب الرئيس، إذ إن التحالف ذاته يعمل بدأب منذ عشرين عاماً على إسقاط سلطة البوليفاريين الوطنية من خلال حرب طويلة دعمت فيها مجموعات المعارضة اليمينية البرجوازية نفسها، وفرضت خلالها واحداً من أقسى الحصارات والعقوبات الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، فضلاً عن التآمر مع وكلاء النفط الأميركي في السعودية والخليج العربي لإبقاء أسعار النفط العالمية عند مستويات متدنية، وضخ كميات إضافية إلى الأسواق لضرب موارد الدولة الفنزويلية المعتمدة بشكل أساسي على تصدير النفط. ولا شك في أن لحظة الانقلاب المعلنة تلك ليست إلا نقلة نوعية مبنية على تراكم جهود تقودها المخابرات المركزية الأميركية، وشاركت في رعايتها الإدارات الأميركية المتعاقبة، وهي مجرّد نسخة منقحة من انقلاب 2002 الذي نفذته المجموعات ذاتها التي لم تتورع وقتها عن قنص متظاهريها أنفسهم لتبرير محاولتهم الاستيلاء على السلطة، كما عدّة محاولات لم تتوقف لإثارة القلاقل والفوضى.
يحاول الأميركيون الإيحاء عبر وسائل الإعلام الغربية، التي مهمتهما الحصرية الترويج للخرافات الأيديولوجية للرأسمالية، بأن البوليفاريين يديرون نظاماً اشتراكياً فاسداً، وأن الرئيس مادورو، ومِن قَبله الرئيس التاريخي الراحل هوغو تشافيز، ديكتاتور شرس يخنق معارضيه. وبينما يدلي خبراء مأجورون يرأسون مراكز أبحاث استراتيجية بتلميحات عن ضرورة السيطرة على النفط الفنزويلي لمصلحة الشعب الأميركي واستقرار النظام العالمي، يُفسَّر اصطفاف دول أميركا اللاتينية وأوروبا وإسرائيل خلف اعتراف الرئيس الأميركي بـ«شرعية» منتحل صفة الرئيس بكونه خضوعاً للتوجيهات الأميركية. لكن معظم هذه الأساطير والتفسيرات المجتزأة تكتفي بلمس العوارض الظاهرية من دون العبور نحو جذر المسألة: ما تمثّله الظاهرة الفنزويلية النبيلة من خطر ماحق على المنظومة المتشابكة من النخب الرأسمالية المتحالفة على نهب دول الجنوب، كنموذج للتحدي والبقاء والصمود، بل ولاستعادة المبادرة للشروع في تأسيس اقتصاد دولة يكسر علاقة التبعية وترتيبات الهيمنة، وقد يلهم دولاً أخرى تمثّل في مجموعها قطباً بديلاً لا يحتاج إلى المرور اقتصادياً عبر المركز الشمالي.
ليست فنزويلا بنظام اشتراكي، والبوليفاريون تبنوا إلى الآن شعارات اشتراكية وتجارب كميونات معزولة ليست بذات تأثير واسع، وذلك لتمويه مشروع قومي مرتبط كلّية بالاقتصاد الرأسمالي العالمي، يستهدف التقليل من انعدام العدالة الشديد بين الطبقات في البلاد، من خلال إعادة توزيع ملطّف للثروة الريعية الطابع المتأتية من تجارة النفط. وهم، بعد عشرين عاماً من إطلاق مشروعهم على يد تشافيز عام 1999، ما زالوا يتعايشون مع الطبقة البرجوازية ذاتها التي لم يتغيّر أي شيء تقريباً في مدى سيطرتها المطلقة على مفاصل الاقتصاد والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني في فنزويلا، ويراهنون على شعور وطني لديها للانخراط في تسوية تكفل استمرار الأوضاع القائمة، وهو أمر أثار دائماً حنق حلفاء البوليفاريين من شيوعيين وتاباكآماروس، الذين اعتبروا أن هذا التعايش لن يكون في النهاية لمصلحة الكثرة الفقيرة من الفنزويليين، وكادوا يسحبون تأييدهم للرئيس (المهادن) مادورو خلال الانتخابات الأخيرة التي منحت وريث تشافيز الفترة الرئاسية الثانية (تنتهي عام 2025)، بينما على الجهة الأخرى لم يترك المعارضون موبقة إلا ارتكبوها بحق الأمة الفنزويلية، ليس فقط بتآمرهم مع الأجنبي فحسب، بل أيضاً باقترافهم جرائم قتل وتعذيب وسرقة وإطلاق أعمال تخريب واسعة النطاق في عدة مناسبات، والمشاركة الفعالة في فرض الحصار الاقتصادي على بلادهم، وتعاونهم مع المافيات على ضرب الاقتصاد المحلي وتهريب النفط المدعوم إلى الخارج، وهم رفضوا المشاركة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة لاقتناعهم الأكيد بأن أياً من مرشحيهم المحتملين لن ينتصر على مادورو الذي تناصره الكتلة الشعبية الأكبر.
وما لا يعرفه الكثيرون عن فنزويلا، ربما، أن مجتمعها مثله مثل غالبية مجتمعات أميركا اللاتينية التي تعاني من انقسام عرقي حاد موروث من الحقبة الاستعمارية الأوروبية، حيث كثرة من السكان الأصليين وذوي الأصول الأفريقية والمختلطة تحكمها نخبة بيضاء تنحدر من أبناء المستعمرين الأوروبيين. ولذا فإن عداء هذه النخبة الإلغائي تجاه التشافيزية (هوغو تشافيز كان أول رئيس فنزويلي ينحدر من أهل البلاد الأصليين) إنما هو تغليف لعنصريتها المقيتة واستعلائها العرقي تجاه عموم المواطنين.
وإن كان للشعوب الأوروبية أن تتغاضى عن سياق الحرب الدائرة ضد الشعب الفنزويلي بحكم خضوعها الكلّي لتوجيهات الإعلام الغربي، فإنه مما يثير الألم ذلك الغياب المُريب للتيارات اليسارية ــ الغربية تحديداً ــ عن تقديم دعم حقيقي لفنزويلا في مواجهة العنتريات الأميركية، والأحجام المايكروسكوبية للتجمعات الرمزية المتضامنة مع الدولة البوليفارية بحجة غياب المشروع الاشتراكي والفساد المستشري في قطاعات من الجيش والدولة، مصطفّين بذلك إلى جوار بقية جوقة أعداء التشافيزية الكثر، بل إن النواب الاشتراكيين في البرلمان الأوروبي صوتوا بكل صفاقة مع المحافظين اليمينيين على مشروع القرار الذي يعترف بمنتحل صفة الرئيس الفنزويلي، ودعوا دولهم إلى القيام بخطوات عملية في الاتجاه نفسه.
هذا الموقف السلبي من فنزويلا وشعبها قِصَر نظر استراتيجي تعاني منه تيارات اليسار الغربي (كثيراً ما اشتكى منه سمير أمين)، ويعكس قصوراً في رؤية طبيعة الصراع مع الإمبراطورية المعولمة، وتحديد الأولويات تجاهها. فالتاريخ أولاً وأخيراً تاريخ إمبراطوريات، وعندما تختار الإمبراطورية إخضاعك لا يعود مهماً عندها إن كنت برجوازياً فاسداً، أو تاجر نفط ديكتاتوراً، أو حتى اشتراكياً ثورياً. يجب أن تبقى فنزويلا حرة، ليس لأجل البوليفاريين الشجعان، بل من أجلنا جميعاً في الجنوب... كوّةَ ضوء لا يطفئها ظلام الإمبراطورية الأميركية. وهذه أولوية لم تجد لها مكاناً بعد عند اليسار الغربي المعني بتحسين ظروف عيش مواطنيه في ظل الرأسمالية الغربية، ولا عند يسارات العرب التي تنتظر أن يفكر لها الآخرون.