إسطنبول | أصدر القضاء التركي، قبل أيام، حكماً بسجن الصحافية بيلين أونكر، مدة 13 شهراً، لنشرها تحقيقاً ضمن ملفات «وثائق بارادايز»، عرضت فيه مسحاً لأرصدة وشركات رئيس البرلمان بن علي يلدريم وأبنائه، والمُسجّلة في «الجنات» الضريبية. كان غريباً أن الحكم لم ينقض المعلومات الواردة في التحقيق الذي أجرته عضو «الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين» ولم يكذّبها، إنما اعتبر أن مجرد نشرها هو تشهير بالسلطات العليا في البلاد ومساس بهيبة الدولة. والأغرب أن الدعوى القضائية على الصحافية رُفعت من قبل وزير الخزانة والمالية وصهر الرئيس رجب طيب أردوغان، براءت ألبيرق، بصفته الشخصية لا الوزارية، لتضع تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين أردوغان ويلدريم وأقطاب الحكم الأردوغاني الآخرين.

بن علي يلدريم، الذي ينحدر من عائلة كردية سكنت محافظة أرزينجان شرق تركيا، يُنظر إليه على أنه شخص «إنساني» للغاية من قِبَل مناصري حزب «العدالة والتنمية»، وهو معروف أيضاً بحس الفكاهة، لكنه سياسي براغماتي على نحو كبير. درس يلدريم الهندسة البحرية، ما أهّله ليصبح مسؤولاً عن خدمات العبّارات البحرية والسفن الصغيرة في إسطنبول إبّان فوز أردوغان برئاسة بلديتها عام 1994. ولدى تأسيس حزب «العدالة والتنمية» في عام 2001، كان لزاماً على أردوغان أن يشدّ ظهره ببعض الشخصيات المثابرة «لوضع أسس متينة للحزب آنذاك»، بحسب ما قال في مقابلة صحافية في عام 2005، وكان من تلك الشخصيات بن علي يلدريم. بعد فوز «العدالة والتنمية» في الانتخابات، وتشكيله الحكومة الأولى، تقلّد يلدريم منصب وزير النقل. مثّلت له الحقيبة الوزارية، بحسب قوله في لقاء بُثّ على قناة «CNN Türk» في آذار/ مارس 2007، تحدياً كبيراً، حيث «كانت وزارة مبنية على العلاقات لتوزيع العقود والعطاءات والمنافع، لن أكذب إن قلت إن الفساد كان مستشرياً بشكل لا يمكن وصفه». شغل يلدريم المنصب لمدة تعدّت الـ12 عاماً، وشهد قطاع النقل نقلة نوعية في عهد يلدريم. بات الأتراك يتنقّلون بسهولة عبر المدن من خلال خيارات عدة، جواً وبراً وبحراً، وبأسعار زهيدة مقارنة بدول أخرى.
يمكن القول إن يلدريم أصبح أكثر أهمية بالنسبة إلى الحكومة وحزبه بسبب الدور الذي لعبه في الوزارة. لكن التحول الأهم في حياة يلدريم السياسية هو لحظة نشوب الخلاف بين أردوغان، الذي كان في موقع الرئيس في النظام البرلماني السابق، ورفيق دربه أحمد داود أوغلو الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء مكتمل الصلاحيات. من بين الخلافات حينها كان توزيع الصلاحيات والنفوذ، وإرادة أردوغان تغيير نظام الحكم إلى النظام الرئاسي. أدرك الرجل أن عليه إزاحة داود أوغلو العنيد، الذي سيشكّل عقبة في وجه التغيير المفترض. أيقن أردوغان أن عليه إيجاد رجل ضعيف وأكثر ولاء، ينهمك في العمل ولا ينازعه على النفوذ والزعامة، وبذلك وقع الاختيار على بن علي يلدريم لخلافة داود أوغلو في رئاسة الوزراء قبل التغيير الدستوري المنشود.

مهمة يلدريم الأساسية كانت تنفيذ مشروع الانتقال إلى النظام الرئاسي


تقول نسليهان سام، الأستاذة المساعدة في العلوم السياسية في جامعة «أولوداغ» التركية، لـ«الأخبار»، إن «ولاء يلدريم المطلق، وحماسته الدائمة للعمل، وافتقاره لشخصية القائد ــ على سبيل المثال هو لا يجيد الخطابة ــ كانت الأسباب الرئيسة التي حملت أردوغان على الدفع به كبديل من داود أوغلو». وتضيف: «على الصعيدين الجماهيري والحزبي ــ في أروقة حزب العدالة والتنمية ــ فإن شخصية يلدريم تكاد تكون معدومة التأثير أمام تأثير أردوغان، إذاً فهو بديل مناسب بالنسبة لأردوغان في فترة انتقال سياسي حساسة».
مهمة يلدريم الأساسية في تلك الفترة كانت تنفيذ مشروع أردوغان للانتقال إلى النظام الرئاسي، وإلغاء منصب رئيس الوزراء أو ما عُرف إبان السلطنة العثمانية بمنصب «الصدر الأعظم»، حيث قال يلدريم في كلمته الأولى، بعد إعلان انسحاب داود أوغلو في بداية أيار/ مايو 2016، في ملاطية (جنوب شرق): «الآن، سنقيم نظاماً رئاسياً». وتأكيداً للثقة التي يوليه إياها أردوغان، تولّى يلدريم حتى الآن الإشراف على مشاريع البنى التحتية العملاقة التي توجّه إليها المعارضة والمدافعون عن البيئة انتقادات حادة، ويقولون إنها غيرت وجه تركيا ولا سيما إسطنبول. الأمر نفسه ينسحب على المطار الدولي الثالث، الذي تسبب بقطع الغابات وسيكون قادراً على استقبال عشرات ملايين المسافرين سنوياً، والجسر الثالث على البوسفور الذي يربط بين ضفتي إسطنبول وأُطلق عليه اسم «السلطان سليم الأول». ومن المقرر أيضاً تنفيذ مشاريع أخرى، مثل القناة بين البحر الأسود وبحر مرمرة، والتي يفترض أن تخفف من كثافة النقل البحري في البوسفور.
استخدم أردوغان ورقة يلدريم للانتقال إلى النظام الرئاسي، والاستفراد في النفوذ داخل الحزب وفي عموم البلاد، وسرعان ما عيّنه رئيساً للبرلمان بعد أن ألغي للمرة الأولى في تاريخ تركيا منصب رئاسة الوزراء الذي شغله يلدريم لمدة قصيرة، وبات بعدها حامل لقب آخر «صدر أعظم». لكن حاجة الرجل إلى يلدريم لم تنته هنا. اللافت أنه وفي 29 كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي، أعلن أردوغان، بصفته رئيس حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، أن رئيس البرلمان الحالي سيكون مرشح الحزب لرئاسة بلدية إسطنبول الكبرى في الانتخابات المحلية الأولى بعد الانتقال إلى النظام الرئاسي، والتي تُنظَّم في 31 آذار/ مارس المقبل. يخشى أردوغان من إمكانية خسارة بلدية إسطنبول في الانتخابات المقبلة التي تعدّ صعبة على الحزب الذي يعاني من الآثار المترتبة على الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي تمرّ بها البلاد في الأشهر الأخيرة، وما رافقها من انهيار في سعر العملة المحلية. وعلى رغم أن رئاسة أردوغان لبلدية إسطنبول، كبرى مدن تركيا وإحدى كبريات المدن في العالم، هي التي عبّدت طريقه إلى كل مناصبه اللاحقة، إلا أن صهر الرئيس، براءت ألبيرق، يُعدّ اليوم أوفر حظاً لخلافة أردوغان من يلدريم. تشير سام إلى أن أردوغان «محظوظ لوجود شخص كبن علي يلدريم في صفوفه!»، وتتابع بتعجب: «من يفعل مثلما فعل بن علي مع أردوغان؟! من يقبل أصلاً بأن يترشح لمنصب رئيس بلدية بعدما شغل مناصب وزارية ثم رئاسة الوزراء؟!».