بعد 65 عاماً على توقيع «معاهدة الإليزيه»، جدّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التزام بلديهما تجاه بعضهما البعض، بتوقيعهما أمس معاهدة «التعاون والتكامل الفرنسية - الألمانية»، في مواجهة تصاعد النزعات القومية. النص، الذي جرى توقيعه بالأحرف الأولى في آخن غرب ألمانيا قبيل أربعة أشهر من الانتخابات الأوروبية، يثير جدلاً في البلدين، خصوصاً في فرنسا حيث يرى فيه اليمين واليسار المتطرّفان انتقاصاً من السيادة الوطنية وتبعية لبرلين. غير أن ماكرون وميركل، اللذين تجمعهما الضغوط التي تشكلها القوى المشكّكة في الاتحاد الأوروبي والشعبويون والقوميون، تحدّيا الانتقادات، مُعلنين تطلّعهما إلى «التقاء» سياساتهما في المجالات كافة، من اقتصاد ودفاع وتربية وبحث علمي وسياسة خارجية. وعلى رغم أن هذه المعاهدة وُقعت بين زعيمين ضَعُف موقعهما أخيراً، إلا أنهما سعيا إلى إغفال هذا الجانب، مؤكدَين رغبتهما في العمل على إنشاء «جيش أوروبي»، ومعتبرين أن لبلديهما القوة التي تخوّلهما القيام بهذا الدور. يأتي ذلك في وقت يختلف الزعيمان حول قضايا اقتصادية كثيرة، تبدأ من منطقة اليورو ولا تنتهي بالأولويات التي تفرّقهما.

إلا أن التصريحات الصادرة عن الجانبين حاولت التركيز على أن معاهدة «التعاون والتكامل الفرنسية ــ الألمانية» تأتي «استكمالاً» لـ«معاهدة الإليزيه» الموقّعة عام 1963 بين الجنرال شارل ديغول وكونراد آديناور، والتي أرست المصالحة بين البلدين بعد الحرب العالمية الثانية. وفي الإطار، أعلنت الرئاسة الفرنسية أنها «لحظة مهمة للإثبات على أن العلاقة الفرنسية ــ الألمانية ركيزة يمكن إحياؤها، لخدمة تعزيز المشروع الأوروبي»، مضيفة: «لم نمضِ يوماً إلى هذا الحدّ على صعيد الدفاع» المشترك. أما ماكرون نفسه، فقد أكد أن «التكامل الأوروبي هو شرط السيادة الحقيقية»، مشيراً إلى أنه بذلك يحوّل أوروبا إلى «درع في وجه الصدامات التي يشهدها العالم». ومعترفاً بالأخطار التي تهدّد أوروبا من الداخل، حيث قال: «نحن نبني مرحلة جديدة في الوقت الذي يهدّد فيه القوميون أوروبا، أو فيما يزعزعها بريكست مؤلم».

الهدف من الوثيقة «التركيز على رمزية قوة العلاقة الثنائية بين البلدين»


ومن هذا المنطلق، رأى بعض المتابعين أن الهدف من الوثيقة «التركيز على رمزية قوة العلاقة الثنائية بين البلدين»، في وقت لفت آخرون إلى أن محتوى الوثيقة غامض نسبياً. وتنصّ المعاهدة على تطابق في السياسات الاقتصادية والخارجية والدفاعية للبلدين، وتعاون في المناطق الحدودية، وتشكيل «جمعية برلمانية مشتركة» من مئة نائب فرنسي وألماني. وأقرّ البلدان «بند دفاع متبادل» في حال التعرّض لعدوان، على غرار البند المنصوص عليه في نظام «الحلف الأطلسي». وسيكون بوسعهما بموجب هذا البند نشر وسائل عسكرية مشتركة في حال التعرّض لهجوم إرهابي، أو التعاون في شأن برامج عسكرية كبرى مثل مشروعَي الدبابات والطائرات المقاتلة.
غير أن «الرمزية» المذكورة آنفاً لم تكن موضع إجماع في فرنسا وألمانيا، بل على العكس. إذ شدّد أقصى اليمين في فرنسا، وأيضاً أقصى اليسار، انتقاداتهما للمعاهدة الجديدة في الأيام الأخيرة، ملوّحَين بشبح فقدان السيادة الوطنية. ورأت زعيمة «التجمع الوطني» الفرنسية (يمين متطرف)، مارين لوبن، أن المعاهدة الجديدة هي «ضربة خبيثة» من الرئيس الذي «يقوم بهدم قوة بلدنا». وقالت إن الأمر «على غرار ميثاق مراكش (حول الهجرة): نعلم بذلك قبل ثلاثة أيام من توقيعه، حتى لا يتمكن أحد من نقض محتوى هذه المعاهدة». واتهمت ماكرون بالسعي إلى تقاسم عضوية فرنسا الدائمة في مجلس الأمن الدولي مع ألمانيا، وهو أمر لا تنص عليه المعاهدة ونفاه قصر الإليزيه، مؤكداً أن باريس تسعى للاستحصال على عضوية دائمة لألمانيا.
كذلك، ندّد زعيم «فرنسا المتمردة»، جان لوك ميلانشون، بـ«تراجع سيادتنا»، الذي يترافق بنظره مع «التراجع الاجتماعي والبيئي». ورأى أن هدف المعاهدة «ليس التقدم الاجتماعي أو الانتقال البيئي بل التنافسية»، مع توفير «قدر أقل من الخدمات العامة والاستثمارات، وتراجع الأجور، ومطاردة العاطلين من العمل». وأبدى ميلانشون مخاوفه من أن تلزم هذه الاتفاقية فرنسا وألمانيا بـ«اعتماد مواقف مشتركة في الهيئات الأوروبية»، محذراً من «الالتصاق بألمانيا في مطلق الظروف، هذا ما يقوم به ماكرون منذ بداية ولايته».
وفي ألمانيا، أثارت بعض المخاوف التي تم التعبير عنها في فرنسا الذهول، لا سيما حين نقلت صحيفة «فاز» هواجس فرنسيين تساءلوا في الأسابيع الماضية: «هل تكون الألزاس قريباً ألمانية؟». كذلك، اتهم القيادي في أقصى اليمين، ألكسندر غولاند، باريس وبرلين، بالسعي من خلال المعاهدة إلى إقامة «اتحاد أوروبي ممتاز» داخل الاتحاد الأوروبي.