لم يكن البيان الذي قدّمته رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، أمس، في شأن الخطة «ب» للخروج من الاتحاد الأوروبي، بالمستوى المطلوب لمواجهة الأزمة التي تعيشها حكومتها، بعد الهزيمة التي مُنيت بها عند التصويت على الخطّة «أ»، قبل أسبوع. قدّمت ماي تعديلات طفيفة، في مناورة قد لا تحقّق لها أي نتيجة مختلفة عن السابق، لا سيّما أنها رمت الكرة في ملعب الاتحاد الأوروبي، على أمل مساعدتها في إيجاد حلّ لمسألة الحدود بين الإيرلنديتين، ما يُستبعد حصوله، خصوصاً أن قادة الاتحاد طالما أبدوا عدم اهتمام بتقديم هذا النوع من المساعدة.

وفيما تسعى إلى إخراج الوضع من المأزق، فقد أعلنت، أمس، أمام النواب، أنها تنوي العودة إلى بروكسل للبحث في تعديلات على الاتفاق الذي توصلت إليه مع القادة الأوروبيين الشهر الماضي، في شأن مسألة «شبكة الأمان» التي يُفترض أن تضمن تجنب العودة إلى إقامة حدود فعلية بين الإيرلنديتين بعد «بريكست». وقالت: «سأواصل اللقاءات مع زملائي هذا الأسبوع ــ بينهم المسؤولون في الحزب الوحدوي الديموقراطي في إيرلندا الشمالية ــ لنرى كيف يمكننا الالتزام بواجباتنا»، بينها تجنّب عودة الحدود، «بطريقة تؤمّن الحصول على أكبر دعم ممكن» في مجلس العموم. كذلك، كرّرت رفضها التام لتنظيم استفتاء ثانٍ أو تأجيل موعد الخروج، بل وضعت على الطاولة سيناريو «عدم الاتفاق»، الذي تطلب منها المعارضة التخلّي عنه.
وعلى رغم أن القسم الأكبر من الانتقادات في المملكة المتحدة يتركّز على مسألة «شبكة الأمان» الواردة في الاتفاق، إلا أن ماي سعت إلى تقديم بيانٍ أكثر شمولية، آخذة في الحسبان «الهواجس الداخلية» لمعارضي صفقتها، لا سيّما بعدما قوبلت بالترويج لتعديلات ومقترحات يعمل نواب آخرون على تقديمها للتصويت في البرلمان، ما قد يشّكل تهديداً كبيراً لسلطتها. ولكنها مع ذلك لم تخرج عن إطار الاقتراحات القديمة، كما أنها لم تقدم تفاصيل واضحة، بموازاة عدم وصول خطابها إلى مستوى «المقاربة الجديدة» التي كانت قد وعدت باعتمادها إزاء تعاملها مع ملف «بريكست». وقد بدا ذلك واضحاً من خلال التغييرات الثلاثة التي لخّصتها في نهاية البيان، والتي كانت قدّمت اثنين منها إلى مجلس العموم (مع القليل من التفاصيل التي أضافتها أمس). أما التغيير الثالث فهو ذاته الذي كانت أشارت إليه قبل عيد الميلاد.
وهذه الاقتراحات هي: إبداء مرونة أكبر وانفتاح تجاه كيفية إشراك البرلمان في التفاوض في شأن العلاقة المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي، فيما لحظ «التغيير الثاني» اهتماماً بمتطلّبات المعارضة، بتضمّنه «حمايات أقوى لحقوق العمّال». أما «التعديل الثالث» والأهم، فتمحور حول تحديد كيفية تحصيل موضوع الحدود بين إيرلندا وإيرلندا الشمالية، «بطريقة تضمن دعم البرلمان، والاتحاد الأوروبي».
قوبلت تصريحات ماي بالغضب من قِبَل المعارضة، التي اعتبرت أنها لم تستوعب حجم فشلها في البرلمان الثلاثاء الماضي، مع رفض 432 نائباً للاتفاق، وهي أكبر هزيمة سُجلت لحكومة في تاريخ البرلمان البريطاني. وقد سخر منها زعيم حزب «العمّال» جيريمي كوربن، مشيراً إلى أن خطّتها الجديدة تشبه كثيراً خطّتها الأولى. وقال إن «رئيسة الوزراء تعيش في حالة إنكار تامة»، مطالباً إياها بأن تكشف عن «التنازلات» التي تريدها من القادة الأوروبيين.
وقد جاء تكرار الأوروبيين رفضهم إعادة التفاوض حول الاتفاق، ليشكل دلالة إضافية على خطوات ماي غير المحسوبة. فقد شدّد كبير المفاوضين الأوروبيين، ميشال بارنييه، على أنه «تم التوافق على شبكة الأمان مع الحكومة البريطانية، وأعتقد أنه أفضل اتفاق ممكن حتى الساعة».
بناء عليه، تواجه رئيسة الوزراء البريطاني أياماً عصيبة مقبلة عليها، تحمل في طيّاتها استحقاقات مهمة لحكومتها، تتمثل في التعديلات التي سيقدّمها نواب في البرلمان، والتي كانت قد وصفتها ماي بـ«المؤامرات»، ومن بينها تمديد العمل بالمادة 50، وبالتالي تمديد «بريكست» تسعة أشهر إضافية، إضافة إلى اقتراح مثير للجدل في شأن استحواذ البرلمان على سلطة الحكومة ليوم واحد، كي يجري تمرير تشريعات تتعلّق بـ«بريكست»، منها إيقافه، وهو أمر يتطلّب موافقة 300 عضو في البرلمان من مختلف الأحزاب.
خطاب ماي الذي ألقته أمس لن يساعدها في تفادي المعركة، بل سيضعها أمام اختبارات أكثر قساوة، تبدأ أولى تجلّياتها في اللائحة الرسمية التي ستحمل هذه الاقتراحات، والتي سيجري نشرها يوم غد، على أن يصوّت عليها البرلمان يوم الثلاثاء المقبل، بعد أن تكون رئيسة البرلمان قد اختارت واحداً منها لمناقشته. وبهدف تفادي المزيد من الانقسام بين الأحزاب، وضمن حزب «المحافظين» نفسه، يمكن لماي إلى ذلك الوقت أن تعوّل على أن ينتج من المناقشات بين أعضاء البرلمان سحب بعض التعديلات، والتوصل إلى تنازلات.