تعيش رئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي لحظات حرجة على المستوى السياسي في المملكة المتحدة، وذلك بعد سلسلة من الصدمات التي تعرضت لها على مدى الأيام القليلة الماضية، أهمها رفض البرلمان البريطاني اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي الذي وقّعته ماي مع الاتحاد الأوروبي في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وذلك بعد جولات عديدة من المفاوضات مع بروكسل على مدى سنتين، وإفلاتها من تصويت بشأن حجب الثقة عنها، والذي دعا إليه «عدوّها العمّالي» جيريمي كوربن.

تغيّرت المعادلة لدى تيريزا ماي عن السابق. فبعد الفارق البسيط الذي أنقذها من حجب الثقة، بدت كأنها مُطالبة بتقديم العديد من التنازلات السياسية من أجل التوصل إلى حل وسط، بشأن صفقة «بريكست»، وتأمين دعم البرلمان له في المستقبل. واستغلت ماي اليوم الأول للتوصل إلى خطة بديلة للخروج من التكتل، وبحثت مع الأحزاب المختلفة الخطوات الجديدة لتنفيذ «بريكست»، قبل التوجه بها إلى بروكسل. وينتظر أن تقدم ماي خطتها البديلة بشأن «الطلاق»، والتي لم تتضح ملامحها حتى الآن، يوم الإثنين المقبل، لتفسح المجال أمام النواب لمناقشتها، قبل أن يجري التصويت عليها يوم الثلاثاء. وفي حال فشل التصويت على الصفقة المعدلة، فستواجه ماي خيارات الأسبوع الماضي ذاتها، والتي تتراوح بين سحب الثقة من الحكومة، أو الاستقالة من منصبها، أو تمديد موعد «بريكست».

اتفقت ماي ويونكر على «تبادل المعلومات والبقاء على اتصال»


وبعد يوم من تصاعد حدة المواجهة السياسية بين زعيمة «المحافظين» ونظيرها «العُمّالي» جيريمي كوربن، من أجل السعي للوصول إلى حلٍّ للمأزق الذي تعيشه البلاد، بدا كأن أزمة «بريكست» بدأت تنعكس سلباً على حزب «العمّال»، إذ لوّح بعض قياديي الحزب باستعدادهم للاستقالة، في حال دعم خيار الاستفتاء الثاني على الخروج. وفي هذا السياق، قالت صحيفة «ذا غارديان» إن «أعضاءً في حكومة (المعارضة)، يعارضون خيار الاستفتاء الشعبي، وبشدة، لأنه قد يؤدي إلى ردود فعل عنيفة من قبل الناخبين في دوائرهم التي صوّتت لصالح الخروج من الكتلة الأوروبية». ومع عدم وجود أي فرص لتجاوز المأزق الحالي، فإن الضغوط ترتفع على قيادة «العمال» لدعم التصويت الشعبي على الخروج، خاصة مع انهيار آمال كوربن بالدعوة إلى انتخابات عامة، فـ«العمال» كان قد تعهد، في ما مضى، بدعم جميع الخيارات المتاحة، بما فيها الاستفتاء الثاني، في حال الفشل في التوجه إلى صناديق الاقتراع.
وفي هذا الإطار، أشارت «ذا غارديان» إلى أن «نواباً للحزب عن دوائر صوّتت لصالح بريكست، يرفضون الاستفتاء الثاني لأنه يهدد مقاعدهم»، ونقلت عن أحد هؤلاء قوله: «سأكون في موقف صعب جداً إذا دعمنا الاستفتاء الثاني. لن يكون أمامي خيار سوى الاستقالة إذا رغبت في الحفاظ على مقعدي وتمثيل ناخبي»، فيما نقلت عن آخر قوله: «سأشعر بعدم الرضى في حال توجّهنا للتصويت الشعبي في هذه المرحلة، نظراً إلى أن الوعود التي قطعناها في الانتخابات العامة الماضية يجب علينا تنفيذها جميعاً. إن فكرة عرقلة بريكست خاطئة، وتقطع الشعرة التي تربطنا بملايين من ناخبينا التقليديين، والذين ينتظرون منا أن نلتزم بوعودنا».

بدت ماي كأنها مُطالبة بتقديم التنازلات السياسية من أجل التوصل إلى حل


لكن على ما يبدو، لن يحالف الحظ حزب «العمال»، إذ من الممكن أن لا يجد الحزب مفراً من الاستفتاء الثاني، وذلك بعد استطلاع جديد للرأي، نشرته «يوغوف»، شمل أكثر من ألف ناخب، يوم الأربعاء الماضي، صوّت فيه 56 في المئة لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي، مقابل 44 في المئة صوّتوا للخروج منه، الأمر الذي يكشف عن وجود فارق 12% لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي، وهو الأكبر منذ استفتاء عام 2016.
إلى ذلك، أعلن المتحدث باسم المفوضية الأوروبية أن رئيس المفوضية جان كلود يونكر أجرى محادثة هاتفية بعد ظهر أمس مع ماي، بناءً على طلبها، مضيفاً أنه «جرى تبادل للمعلومات من الجانبين. ووافق الطرفان على البقاء على اتصال». وفي الوقت الذي تحدثت فيه أوساط صحافية عن إمكانية إعادة التفاوض على اتفاق الخروج في بروكسل، خرج وزير خارجية ألمانيا، هايكو ماس، أمس، ليعلن أن من الصعب إعادة النظر في الاتفاق، مضيفاً أن رفض البرلمان البريطاني لمسودة اتفاق الخروج «لا يغيّر من ذلك».