بعد أن اضطرت لسحب اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «بريكست» من أمام مجلس العموم، بدأت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، أمس، جولة أوروبية مصغرة، في محاولة لاستجداء زعماء «الاتحاد» إنقاذ الاتفاق، قبل القمة الأوروبية المرتقبة الخميس والجمعة في بروكسيل. في وقتٍ بدأت تظهر تحركات جديدة داخل حزب «المحافظين» الذي تترأسه ماي، للإطاحة بها، إذ أرسل النائب كريسبين بلانت، رسالة إلى لجنة مكلفة بسباقات الزعامة في الحزب لسحب الثقة من ماي. ونقلت صحيفة «تايمز» البريطانية عن بلانت قوله: «أريد أن أشجع أولئك الذين يفكرون في الأمر... على أن يفعلوه». وبذلك، يصبح معارضو ماي بحاجة إلى خمسة خطابات فقط، لبلوغ العدد اللازم لإجراء اقتراع على سحب الثقة منها، إذ إنه الشهر الماضي، وصل عدد النواب من حزب «المحافظين» الذين قدّموا تأكيدات بأنّهم سلّموا خطابات بإجراء اقتراع على سحب الثقة إلى 42 نائباً، في حين أنّ الأمر يتطلّب تسليم 48 خطاباً، أي الرقم المطلوب لإجراء تصويت على سحب الثقة.

قرار ماي بإرجاء التصويت فتح الباب أمام مجموعة من النتائج المحتملة التي تراوح بين خروج بريطانيا من الاتحاد من دون اتفاق، أو إبرام اتفاق في اللحظة الأخيرة قبل أسابيع من الموعد المقرر للانسحاب في 29 آذار/ مارس، أو إجراء استفتاء ثانٍ على الخروج. لكن لحدّ الآن كل المعطيات تتجه إلى الخيار الأول، حتى أن فرنسا قد أكدت موقفها المتشدد من «بريكست» مجدداً، إذ رفضت وزيرة الشؤون الأوروبية نتالي لوازو احتمال تقديم أي تنازلات جديدة، وطالبت بالإسراع في التحضيرات لسيناريو عدم الاتفاق. وقالت: «إننا قلقون جداً من تأجيل التصويت. لقد قدّمنا الكثير لمساعدة بريطانيا. هذا الاتفاق هو الوحيد الممكن وتقدّمنا بالكثير من التنازلات للوصول إليه. يجب أن نكون جاهزين لعدم الاتفاق ونحن نعمل من أجل ذلك».

أوروبا للنجاة
أيقنت رئيسة الوزراء البريطانية أن تمرير «بريكست» الذي وضعته مع بروكسيل في برلمان بلادها شبه مستحيل لذا اتجهت لخيار تأجيل التصويت، متعهدة بجلب المزيد من الضمانات من الاتحاد الأوروبي حول الحدود الإيرلندية وخطة «المساندة». هذه الخطة تشكّل محور معارضة كبيرة من نواب حزب «المحافظين»، خصوصاً من مؤيدي «بريكست»، إذ يعتقدون أنها ستؤدي إلى ارتباط بريطانيا بشكل دائم بالاتحاد الجمركي الأوروبي، وتستطيع لندن حينها الخروج من الاتفاق بشكل أحادي.
هذه التعقيدات دفعت ماي للذهاب على وجه السرعة إلى لاهاي للقاء نظيرها الهولندي مارك روته، أحد حلفائها. لتصل في ما بعد إلى برلين للقاء المستشارة أنجيلا ميركل، قبل أن تعقد محادثات مع المفوضية الأوروبية. مصدران ألمانيان من تيار «المحافظين» قالا إن «المستشارة أبلغت أعضاء تكتلها البرلماني اليوم الثلاثاء (أمس)، بعد لقائها مع ماي، بأنه لن يكون هناك المزيد من المفاوضات في شأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي». وأضاف المصدران أن ميركل كانت أبلغت التكتل «المحافظ» بأن «جهوداً تبذل لمنح بريطانيا مزيداً من الطمأنينة».
على صعيد الاتحاد الأوروبي، حذّر رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، قبيل لقائه ماي، من أنّه «لا مجال لإعادة التفاوض على اتفاق بريكست»، مؤكداً، في تغريدة على «تويتر»، أنّ الاتحاد لن يتخلّى عن أيرلندا بسبب خطة المساندة. وفي بلجيكا، عبّر العضو في البرلمان الأوروبي غاي فيرهوفشتاتن، عن غضبه، أمس، قائلاً: «إننا انزلقنا إلى دوامة فوضى جديدة». وبعث برسالتين إلى ماي؛ «الأولى أنّه مهما كان طلبها فإننا لن نتخلّى عن رفاقنا الأيرلنديين. أما الثانية فهي أن إعادة التفاوض على خطة المساندة أمر غير مطروح للنقاش»، مضيفاً: «أما إذا كانت ترغب في تعديل الإعلان السياسي لعلاقة قريبة مع الاتحاد الأوروبي وتجنب خطة المساندة فلن تكون هناك عقبات، لن تكون هناك مشكلة». وهو ما أكده يونكر أيضاً بالقول: «هناك فسحة، إن استخدمت بذكاء، تسمح بتوفير المزيد من التوضيحات والتفسيرات من دون إعادة فتح التفاوض على اتفاق بريكست».