أثناء حملته الانتخابية الأولى للرئاسة، تعهّد الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، بإغلاق معتقل «غوانتانامو» دون أن يتمكّن من تنفيذ وعده خلال ولايتَيه، بعدما واجه عوائق سياسية وقانونية ومعارضة شرِسة من الجمهوريين في الكونغرس. في عهد دونالد ترامب، يتّجه النقاش حول مصير المعتقل - السيئ السّمعة من الناحية الحقوقية - نحو إجراءات مغايرة تماماً، بعدما كان الهدف الأساسي يدور دائماً حول ضرورة إغلاقه.

اليوم، يستعد «غوانتانامو»، الذي يضمّ خصوصاً معتقلين متّهمين بالمشاركة في هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، للبقاء مفتوحاً لمدة 25 عاماً أخرى على الأقل! هذا ما أسرّ به الأدميرال جون رينغ، قائد القوة العملانية للجيوش الأميركية التي تدير المعتقل، الذي قال: «علينا التأكّد من أن منشآتنا يمكن أن تستمر 25 عاماً». خلال زيارة لصحافيين ينظّمها الجيش الأميركي باستمرار في جنوب شرق جزيرة كوبا ليُظهر كيف يعامل معتقلوه بـ«طريقة إنسانية»، حاول الأدميرال أن يبرّر قرار الإبقاء على السجن الذي يأتي نتيجة مرسوم صادر عن ترامب، قائلاً: «قالوا لنا إنّنا سنبقى هنا 25 عاماً أو أكثر. البنتاغون أرسل لنا مذكرة تقول: استعدوا لإبقاء المعتقل مفتوحاً لـ25 عاماً أو أكثر».

اعتقال «خارج إطار القانون»
في نهاية كانون الثاني/ يناير الماضي، قرّر ترامب الإبقاء على المعتقل مفتوحاً، مخالفاً بذلك محاولات سلفه المتكرّرة، والتي لم تجِد، في نهاية المطاف، سبيلاً لإغلاق سجن يدينه المدافعون عن حقوق الإنسان، لأنّ هؤلاء المعتقلين لا يحاكَمون أمام محاكم مدنية بل من قِبل لجان عسكرية. وقد أثار وضعهم اعتراضات في القضاء وأُرجِئت محاكماتهم لفترات بلا نهاية. وبرغم ذلك، وقّع الرئيس الأميركي مرسوماً يأمر وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بـ«إبقاء كل منشآت الاعتقال في غوانتانامو مفتوحة». حينذاك، اعتبرت جمعية «ACLU» الحقوقية الأميركية أنّ «ترامب، بمحاولته إعطاء حياة جديدة لسجن يُعدّ رمزاً لانغماس الولايات المتحدة في التعذيب والاعتقال غير الشرعي الذي لا أجل له، لم يجعل البلد أكثر أماناً». كما أشارت الجمعية إلى أن تكاليف أداء معتقل غوانتانامو تقدر بـ 445 مليون دولار، ما يفوق بكثير تكاليف سجن مشدّد الحراسة في الولايات المتحدة.
لكن الكثيرين من أعضاء الكونغرس رحّبوا بقرار ترامب، برغم اعتراضات حقوقيين أشاروا إلى أنّ قسوة ظروف الاعتقال وأساليب الاستجواب «المشدّدة» التي يمارسها الجيش الأميركي في السجن المذكور، ساهمت في انتقال بعض المعتقلين إلى مواقع أكثر تشدّداً، ومن بينهم أبو بكر البغدادي، الذي أصبح زعيماً لتنظيم «داعش» بعد اعتقاله داخل معسكرات أميركية في العراق.

منشآت طبية متهالكة
المعتقل الذي فتح في 2002 لاستقبال أوائل الجهاديين في إطار التدخل العسكري الأميركي في أفغانستان بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر، ضمّ عدداً من المعتقلين وصل إلى 780.
حالياً، لم يبقَ من هؤلاء سوى أربعين معتقلاً تتراوح أعمارهم بين 37 و71 عاماً، بعدما قلّص أوباما عددهم. وحكم على اليمني علي حمزة أحمد البهلول، أحد مساعدي أسامة بن لادن، بالسجن المؤبد، في حين ينتظر معتقل آخر صدور الحكم عليه في صيف 2019.
في مقلبٍ آخر، قال الأدميرال رينغ لوكالة «فرانس برس» إنّ مركز الاعتقال «اضطر لتكييف منشآته الطبية» للاهتمام بهؤلاء المعتقلين الذين يهرمون. لكن العسكريين الـ1800 الذين يؤمّنون تشغيله، من الحراس إلى الطباخين مروراً بدوريات المراقبة البحرية، ما زالوا يقيمون في بيوت قديمة بعضها متهالك. علماً أن الموازنة السنوية للمعتقل تبلغ 78 مليون دولار. واللافت أن تصريح رينغ تركّز فقط حول أوضاع العسكريين الذين يخدمون في «غوانتانامو»، متغاضياً عن أولوية التنبّه إلى أوضاع المعتقلين السيئة. وفي هذا الإطار، أعلن الأدميرال أنه حصل على شركة عمرانية لمحاولة تسهيل حياة العسكريين لمدة تبلغ في المعدل تسعة أشهر فقط، من دون عائلاتهم التي لا يمكنها الإقامة في الموقع. وحول نية ترامب إرسال مزيد من «الأشرار» الذين يتمّ أسرهم في سوريا والعراق إلى السجن، تبعاً لما ينصّ عليه المرسوم المذكور أعلاه، قال رينغ: «لم نتلقَّ أيّ أمر بعد»، مضيفاً: «ليست لدينا أيّ مؤشرات توحي بإمكانية نقل جهاديين آخرين إلى غوانتانامو قريباً»، علماً أن السجن لم يستقبل أي معتقل جديد منذ عام 2008. لكن رينغ أشار إلى أن المعتقل يمكنه - في حال الضرورة - استقبال أربعين معتقلاً آخرين، بالبنية التحتية نفسها والطاقم نفسه، مفترضاً أن المركز «يمكنه استقبال عدد يصل إلى مئتين من المعتقلين من دون الحاجة إلى توسيعه». لكنه سيحتاج في هذه الحالة إلى «مزيدٍ من الموظفين».