تتّكل بكين على «قوتها الناعمة» في التغلغل داخل اقتصادات الدول الأفريقية. خلال العقدين الأخيرين، تحوّلت الصين من مجرد مستثمر صغير في أفريقيا إلى لاعب أساسي في القارة السمراء، يتطلّع إلى تعزيز دوره وفق ما جَلَّته مجدّداً القمة الصينية ــ الأفريقية السابعة، التي يُتوقّع أن تسهم هذه المرة في تعزيز المصالح الأفريقية خلافاً للقمم التي سبقتها.

افتتح الرئيس الصيني القمة بحضور أنطونيو غوتيريش و53 رئيساً أفريقياً (أ ف ب )

خلال اليوم الأول من «فوكاك»، التي افتتحها الرئيس الصيني شي جين بينغ، بحضور الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، و53 رئيساً أفريقياً في العاصمة بكين، أمس، تعهّدت الصين ــ الشريك التجاري الأول لأفريقيا ــ بتقديم نحو 60 مليار دولار إلى القارة، بينما شدّد شي على مساعدة «دون شروط»، على وقع انتقادات الغرب، مضيفاً أن بلاده «لا تفرض شروطاً سياسية، ولا تسعى وراء أي استفادة أو ميزة خاصة من تعاونها مع أفريقيا». وأكد شي، في الوقت نفسه، أن بكين «ستقوم بجهود حثيثة، وستبذل الجهود ما دامت مؤمنة بأن ذلك يعود بالنفع على الدول الأفريقية».
سعى شي إلى احتواء الانتقادات التي طاولت مساعدة بكين للدول النامية


كذلك، بدا واضحاًَ، خلال حديث شي، سعيه إلى احتواء الانتقادات التي طاولت مساعدة بكين للدول النامية. إذ أعلن، في هذا السياق، أن الصين «ستلغي» قسماً من ديون الدول في القارة الأفريقية، من دون أن يحدد مواعيد أو أسماء الدول المعنية. ومن ضمن الـ60 مليار دولار الموعودة، خطوط قروض بقيمة عشرين مليار دولار، وصندوقان مُخصَّصان للتنمية وتمويل واردات السلع الأفريقية تناهز قيمتهما 15 مليار دولار. وسيشمل التمويل، أيضاً، 15 ملياراً «كمساعدة مجانية وقروض دون فوائد»، فيما ستُشجَّع الشركات الصينية على استثمار «عشرة مليارات دولار على الأقل» في أفريقيا في الأعوام الثلاثة المقبلة.
من جانبه، نفى رئيس جنوب أفريقيا، سيريل رافافوزا، الذي تولّى الكلام بعد نظيره الصيني، بشدة، الحديث عن «استعمار جديد» من قِبَل المنتقدين الغربيين للمساعدة الصينية. وكان رئيس الوزراء الماليزي، مهاتير محمد، قد استخدم تلك العبارة أخيراً، وذلك بعد إلغائه عقوداً مع الصين لتشييد بنى تحتية بقيمة 22 مليار دولار. في المقابل، دعا رافورزا إلى تسوية لبعض مواقع الخلل في التوازن، وقال: «غالباً ما تُصدِّر أفريقيا مواد أولية إلى الصين، بينما تُصدِّر بكين إلينا سلعاً جاهزة... ما يحدّ من إمكانات الإنتاج وقدراته في القارة، وأيضاً من إنشاء وظائف فيها».
يُذكر أن «فوكاك» تشكّل مناسبة للرئيس الصيني لكي يحتفل «بطرق الحرير الجديدة»، وهي المبادرة التي أُطلقت في 2013 بهدف تطوير التواصل التجاري بين الصين وبقية العالم. ويستثمر العملاق الصيني سنوياً مليارات الدولارات في أفريقيا منذ 2015، في بنى تحتية (طرق وسكك حديد) أو في القطاع الصناعي. وهي استثمارات تُرحِّب بها الدول الأفريقية التي تأمل أن تؤدي إلى تسريع نموها الاقتصادي. لكن الاستثمارات الصينية تثير انتقادات متزايدة من الغرب، الذي يشير إلى ارتفاع مديونية بعض الدول الأفريقية بشكل كبير، ما يثير قلق صندوق النقد الدولي أيضاً.