يحتلّ مستوى جهوزية واستعداد الجيش الإسرائيلي للحروب المقبلة، رأس اهتمامات المؤسسات الإسرائيلية بعناوينها السياسية والعسكرية والرقابية كافة. وتواصل تل أبيب مساعيها للارتقاء بها إلى مستويات متقدّمة عبر خطط مكثفة ومستمرة منذ ما بعد حرب عام 2006، وما تلاها من مواجهات على الساحة الفلسطينية وتطورات في البيئتين الإقليمية والعملياتية التي فرضت تحديات من نوع آخر على الكيان الإسرائيلي.

على خطٍّ مواز يواصل المسؤولون الإسرائيليون الرسميون ضخّ مواقف وتقارير تؤكد جهوزية الجيش لخوض الحرب المُفترضة المقبلة التي بدا واضحاً خلال السنوات الماضية أنه بات أكثر حرصاً على تجنّبها. وهو ما انكشف في المحطات التي وجد فيها نفسه بين الانكفاء أو مواجهة واسعة، حيث كان دائماً يختار الموقف الذي يجنّبه المواجهة التي يقول إنه بات جاهزاً لها.
في مقابل هذه المواقف الدعائية التي تعني أن جيش العدو بات أكثر قدرات تدميرية وتطوراً من أي مرحلة في تاريخه، حذَّر مفوض شكاوى الجنود في الجيش الإسرائيلي، يتسحاق بريك، من الصورة الكاذبة التي تسوقها قيادة الجيش عن استعدادات أعلى من الواقع. ورأى أيضاً بالاستناد إلى شهادات ضباط أنه خلال بضع سنوات ستتغيّر معايير تعيين قادة كتائب جدد، الذين يتم الآن اختيارهم وفق نوعية جيدة، نتيجة النموذج الجديد للخدمة الدائمة الذي تمت بلورته في الجيش الإسرائيلي. ولفت إلى وجود أزمات داخل الجيش، الذي وصفه بأنه «تنظيم متوسط المستوى»، وأن «الضباط الميدانيين تحولوا إلى مجموعة جبناء» يتخوفون من تقديم شكاوى، فيما بات الضباط برتبة لواء «منشغلين بالمظهر وليس بالجوهر».
نتيجة خطورة الوضع القائم واللاحق، وثَّق المفوَّض سلسلة طويلة من محادثات أجراها مع عشرات الضباط في العديد من الشعب والأذرع والوحدات في الجيش، في رسالة وجهها إلى كبار الضباط في الجيش وأعضاء لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست. ولفت إلى أنهم في الجيش قرروا تقليص 4 آلاف وظيفة دائمة وتقليص عدد رجال الخدمة الدائمة إلى حوالى 40 ألفاً. إضافة إلى ذلك، جرى نقل كوادر من الخدمة الدائمة من وحدات الذراع البرية إلى وحدات الاستخبارات و«السايبر» والتكنولوجيا. وهو ما أدى إلى القيام بتقليص كبير في سلاح البر، وإن تقليص الكوادر في كل الوحدات أدى إلى زيادة العبء على القوة البشرية المتبقية. ولفت إلى أنّ هذا الأمر أدى إلى تآكل كبير في أوساط من يخدمون، وإلى انخفاض في تنفيذ المهمات بل عدم تنفيذها.
في المقابل، كان لافتاً أيضاً أنّ رئيس أركان الجيش، غادي آيزنكوت، بالرغم من أنّه رفض تحذير بريك بخصوص المس باستعداد الجيش للحرب، مبرراً ذلك بأنه لا يوجد لدى بريك صلاحية أو أدوات لفحص ممنهج لهذه المجالات، إلا أنه لم يجد مفراً من التسليم بجزء من الانتقادات التي أثيرت في التقرير السنوي للمفوض بخصوص مسائل ثقافية تنظيمية وانضباطية في الجيش.
واقتبس بريك في رسالته أيضاً، كلام قائد لواء نظامي، قوله أنه «نشأ وضع في الجيش، فيه لا يتجرأ أحد على الانتقاد في اللقاءات، ولا يتحدثون عن مشكلات. الجنرالات يُظهرون لنا أن الوضع ممتاز، لكنهم ينشغلون بالشكل وليس بالمضمون. لقد تحولنا إلى مجموعة جبناء».
في السياق نفسه، رأى الضابط أن «الضباط الميدانيين يشعرون بأن الأفضلية تُعطى لسلاح الجو، أما الاستخبارات والسايبر وسلاح البر ففي نهاية سلسلة الغذاء». ونقل عن قادة الفصائل قولهم بأن لا أفق لديهم في الخدمة، ولذلك هم لا يريدون البقاء في الجيش، وأن الجيش فشل في إبقاء الجيدين، فالنظام لا يرى أشخاصاً بل اعتبارات مالية وتوفيراً، ما يؤدي إلى عدم الثقة. وأضاف، نقلاً عن ضباط وضباط صف، أن «الكبار ببساطة يفضّلون الهرب من المشكلات. ليس لديهم فكرة ما الذي يحدث على الأرض».
ورداً على الانتقادات التي وُجّهت له، في أعقاب التقرير، عرض بريك اقتباسات لجنود تدعم أقواله: «الوضع خطير جداً، لكنّ القادة صامتون». وشدد أيضاً على أنه بعد عدة سنوات سيبقى هناك ضباط برتب متوسطة فقط في الجيش، والنتيجة أنه «عندما سيتسرح القادة القدامى فليس هناك من سيحلّ محلهم».