خرجت «توتال»، رسمياً، من أكبر مشاريعها الاستثمارية في إيران. وتحت ضغط العقوبات الأميركية، تلاشى مشروعها المُقدَّر بقيمة 4.8 مليارات دولار لتطوير حقل بارس الجنوبي في قسمه الإيراني، أكبر حقل غاز في العالم. الشركة الفرنسية كانت أعلنت قبل أسابيع قرارها، تاركة إمكانية العودة عنه لما تفضي إليه اتصالات الحكومة الفرنسية مع واشنطن للاستحصال على استثناء من العقوبات الأميركية. لكنّ تعنّت الأميركيين في رفض إعطاء باريس أي استثناء، حتّم على الشركة عدم المغامرة بمصير استثماراتها الأميركية التي تبلغ ضعفَي ثمن حصتها من «بارس» (10 مليارات دولار)، ومشاركة المصارف الأميركية في 90 في المئة من عملياتها المالية، وذلك على الرغم من أن الشركة تكلّفت بإنفاق ما يُقدَّر بـ 40 مليون يورو حتى مرحلة قريبة.

ومن المرجّح أن تستفيد الشركة الصينية (شركة البترول الوطنية الصينية «CNPC»)، الشريكة لـ«توتال» في الاستثمار، من غياب الشركة الفرنسية كما يؤكد مسؤولون إيرانيون، رغم تشكيك فرنسي في قدرة باقي الشركات على تقديم تكنولوجيا متطورة لإنتاج الضغط اللازم لاستغلال الغاز. لكن عملياً، ووفق اتفاق «بارس»، تستحوذ الشركة الصينية على حصة الشركة الفرنسية وتعمل مكانها كرئيسة للكونسورتيوم.
سياسياً، تنظر كل من طهران وباريس إلى الأمر بسلبية كبيرة، ولو من زاويتين مختلفتين؛ فالإيرانيون يلمسون بذلك عدم قدرة دول الاتحاد الأوروبي على حماية شركاتها من العقوبات الأميركية، وبالتالي انحسار جدوى التعاون مع أوروبا للحفاظ على مكتسبات الاتفاق، أو اقتصاره على شركات صغيرة ومتوسطة لا تحدث الفارق المأمول اقتصادياً. أما الفرنسيون، فكانوا حذّروا من أن عدم إعطاء شركاتهم الحماية اللازمة سيفتح الباب واسعاً أمام الشركات الروسية والصينية، لتكون الدول الغربية الخاسر الوحيد من السياسة الأميركية لحساب تقدم تجاري لكل من موسكو وبكين.

تحاول الصين تجنيب شركات الشحن الكبرى العقوبات الأميركية


ويبدو أن الموقف الصيني من العقوبات الأميركية لا يقتصر على الاستفادة من غياب الشركات الأوروبية، بل يتخذ أشكالاً أكثر تطوراً في رفض العقوبات والالتفاف عليها، بنظام مشابه لما كان مُتَّبعاً في العقوبات الماضية بين عامي 2012 و2016، إذ نقلت «رويترز» عن مصادر أن مشترين صينيين للنفط الإيراني بدأوا بتحويل شحناتهم إلى سفن مملوكة لشركة الناقلات الوطنية الإيرانية لنقل وارداتهم. وتُعدّ السياسة التجارية الصينية تأكيداً لإصرار الصين على عدم الالتزام بالعقوبات من جهة، وفي الوقت نفسه تجنيب شركات الشحن الكبرى العقوبات من جهة أخرى. كذلك الأمر، فإن بكين لن تكون رهن شركات الشحن والتأمين الكبرى التي غادرت مخافة العقوبات. ونقلت «رويترز» عن مسؤول تنفيذي كبير في قطاع النفط الصيني قوله إن «التغيير بدأ منذ فترة قريبة جداً، وكان مطلباً متزامناً من الجانبين».
في غضون ذلك، جدّد وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، مهاجمة سياسة العقوبات الأميركية، مُعترِفاً بخطأ الرهان على تغيّر في سياسة واشنطن «المريضة بإدمان العقوبات». وقال ظريف، في مقابلة مع «سي. أن. أن.» الأميركية، إنه «حتى خلال إدارة أوباما، ركّزت الولايات المتحدة أكثر على إبقاء العقوبات التي لم ترفعها بدلاً من تنفيذ التزاماتها بموجب العقوبات التي رفعتها». وأضاف: «شعرنا أن الولايات المتحدة تعلمت أنه على الأقل فيما يتعلق بإيران، فإن العقوبات تؤدي إلى صعوبات اقتصادية، ولكنها لا تعطي النتائج السياسية التي كانوا يتوخّونها». وتطرّق ظريف إلى تجربة المفاوضات مع الأميركيين، قائلاً: «كنت أعتقد أن الأميركيين تعلموا الدرس. لكنني للأسف كنت على خطأ».