لندن | تقضي رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، إجازتها السنوية في جبال سويسرا بهدوء لافت بعيداً عن وسائل الإعلام، في الوقت الذي تعيش فيه لندن ــ رغم برودة الطقس ــ واحداً من أكثر مواسم الصيف اشتعالاً في أجواء النخب السياسية. إذ استفادت جميع التيارات من موسم الإجازات الحكومية لبناء خططها في الكواليس، استعداداً لجولة مقبلة من الصراع السياسي، التي من المفترض أن تصل ذروتها هذا الخريف عندما سيتعيّن على بريطانيا حسم موقفها تجاه مسألة الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست).

هناك أنباء شبه مؤكدة عن تحالف «أبرم بليلٍ» يضم 100 نائب من نواب حزب المحافظين الحاكم في البرلمان، يسعى إلى التمرد على سياسة ماي بشأن «بريكست»، التي باتت بنحو متزايد تميل إلى تقديم تنازلات للاتحاد الأوروبي، تجنباً للوقوع في كابوس عدم الوصول إلى اتفاق ضمن المدة المحددة، وهو الأمر الذي إن حدث، فقد يدفع المملكة المتحدة إلى قلب أزمة قانونية ولوجستية واقتصادية وحدوديّة (مع إيرلندا) غير مسبوقة. ومن الواضح أن هذا التحالف يضم معظم اللاعبين الكبار في الحزب الحاكم ممن يطمحون إلى التخلص من ماي والقفز على كرسي رئاسة الوزراء، ولا سيّما مايكل جوف وبوريس جونسون. الأخير الذي كان قد استقال من منصب وزارة الخارجية قبل سفر ماي في إجازتها احتجاجاً على السياسة التي تنتهجها الحكومة في إدارة مفاوضات «بريكست»، قضى معظم وقته من ذلك الحين في محاولة بناء شعبية متزايدة في أوساط اليمين من طريق كتابة مقالات جدلية مستفزة ضد النقاب والمهاجرين، في محاولة بدت مفتعلة وغير موفقة سياسياً، واستدعت إدانات مع معظم التيارات في البلاد، رغم أن عدد متابعيه على موقع «فايسبوك» تضاعف نحو أربع مرات. هذه التحركات على أهميتها لم تكن بأي حال لتغطي على صخب أم المعارك الشاملة التي أعلنتها المؤسسة النيوليبرالية المعولمة ضد شخص زعيم حزب العمال المعارض جيريمي كوربن، وحشدت من أجلها ترسانة من السياسيين والإعلاميين والنشطاء، ليس أقلهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين نتنياهو، الذي تجاوز كل الأعراف الديبلوماسية، مهاجماً كوربن عبر حسابه على «تويتر».
«أم المعارك» (الشاملة) التي يواجهها كوربن ليست بالطبع سوى تطور نوعي في سياق حرب طويلة مستمرة ضده بدأت من قبل توليه قيادة حزب العمال في أيلول من عام 2015، مستهدفة قطع الطريق على محاولة التيار اليساري الذي يقوده انتزاع دفة القيادة من بقايا تيار رئيس الوزراء السابق توني بلير، اليميني المتحالف مع النخبة الحاكمة في البلاد، الذي سببت سياساته الكارثية تراجع شعبية الحزب إلى أدنى مستوياتها التاريخية.
نجاحات كوربن المتتالية في القفز على ألغام الصراع الأهلي مع يمين حزب العمال، وشعبيته المتصاعدة يوماً بعد يوم، ولا سيّما بين جيل الشباب الذي يدخل عالم السياسة البريطانية المعقد لأول مرة، ومن ثم الأداء القوي للحزب في الانتخابات العامة الأخيرة ــ الذي وضع كوربن في مكان المرشح الأقوى لتولي إدارة البلاد في حال انكسار الأغلبية الهشة التي أبقت المحافظين في الحكم ــ دفع النخبة النيوليبرالية المتسلطة على البلاد إلى حيِّز القلق المرضي من سيناريو بات مرجحاً لاستيقاظ لندن صباح يوم جمعة ــ خلال السنتين المقبلتين كحد أقصى ــ وكوربن يلقي «خطاب النصر» من أمام «10 داونينغ ستريت» (مقر رئاسة الوزراء)، وتلك بالطبع ستكون لحظة كارثية لمصالح رأس المال المعولم، وتحالف الأرستقراطية ــ البرجوازية المهيمن على السلطة، وللصهيونية العالمية وحلفائها. ولعل ما عمّق قلق النخبة أن جناحها السياسي، أي حزب المحافظين الحاكم، يعاني من ضعف أيديولوجي شديد وتفتّت في ولاء جمهوره لمصلحة صعود تيارات اليمين المتطرف، إلى جانب فقر شديد في «كاريزما» الشخصيات التي تقود الحزب.
استراتيجية «أم المعارك» للتعامل مع الحالة «الكوربينيّة» المتفاقمة أخذت خلال الأسابيع القليلة الماضية صفة ثلاثة هجومات متقاطعة استهدف أولها تشويه سمعة كوربن من خلال اتهامه بمعاداة الساميّة وانحيازه ضد اليهود، بينما حاول ثانيها شق حزب العمال وتأسيس حزب يدّعي الوسطيّة، في الوقت الذي شنت القوى اليمينية هجوماً متزامناً على سياسات كوربن لناحية موقفه غير الحاسم في ما يتعلق بـ«بريكست». مجموعة اليهود الصهاينة، أصدقاء إسرائيل في حزب العمال ــ وهم أقلية صغيرة قد لا يتجاوز عددها 100 شخص ــ أعطت إشارة الانطلاق لهذه الحرب، بشنّها هجومات يومية على كوربن بوصفه معادياً للساميّة، جُنّدت لها كل الوسائل الإعلامية الرئيسة، وتفرغت لها الصحف اليهودية التي تصدر في البلاد، ولا سيما أسبوعية «جويش كرونكيل». ورغم أن يهوداً يساريين ومعتدلين كثيرين رفعوا أصواتهم استنكاراً لهذا التوظيف المتعسف لمسألة ثقافية أوروبية غير ذات صلة بالشؤون السياسية المحلية، إلا أن الإعلام البريطاني الذي تهيمن على معظمه النخبة النيوليبرالية، تجاهل تلك الأصوات، وتعمد بنحو فاضح نقل هجومات أصدقاء إسرائيل إلى صدارة الصفحات الأولى للجرائد ومقدمات نشرات الأخبار المرئية.
من الجهة الأخرى، أصبحت الاستعدادات شبه مكتملة لإطلاق حزب منشق عن حزب العمال ــ قد يطلق على نفسه اسم «حزب العمال الجديد» ــ يعتقد أنه يقوم على شراكة بين رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير وسايمون فرانكس (أحد كبار الممولين البريطانيين) الذي رصد حتى الآن نحو 60 مليون دولار أميركي، للإنفاق على الحملة التحضيرية. وتقول مصادر عُرض عليها الانضمام إلى الحزب إن إيوان، نجل توني بلير، سيؤدي دوراً مهماً في مجلس قيادة الحزب، إضافة إلى عدد من منتسبي حزب العمال الحالي الذين حافظوا على ولائهم لبلير ــ وعلى رأسهم تشوكا أومانا ــ وعشرات من نواب حزب العمال في البرلمان المعادين لكوربن. ويبدو أن الحزب الجديد الذي يفتقد لأية ألوان أيديولوجيّة أو مواقف بشأن المصاعب المعيشية والحياتية التي تواجهها أغلبية البريطانيين سيركز شكلياً على الدعوة إلى استفتاء جديد على «بريكست» بهدف نهائي، وحيد هو تقليص حظوظ كوربن بالوصول إلى السلطة.
نواة اليمين البريطاني بدورها تبذل جهوداً استثنائية لتجميع عدة قوى تدور في مدارها لبناء تيار متكامل قد يتمخض عن حزب يمين وسط جديد معادٍ لـ«بريكست»، يقال إنه سيحمل اسم الحزب الديمقراطي، يلتقي فيه رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون، مع شريكه أيام الحكم نيل كليغ، من «حزب الليبراليين الأحرار» وبعض عتاة المعارضين لـ«بريكست» من المحافظين. ورغم أن هؤلاء يعملون نظرياً في اتجاه معارضة مشروع الخروج من «بريكست»، إلا أن كل جهودهم، في مناسبات مختلفة، بدت وكأنها تستهدف أساساً التسبب بالضرر لصدقية كوربن بوصفه شريك تيريزا ماي المزعوم في إخراج بريطانيا من حاضنتها الأوروبية.
كوربن ــ وفريقه اليساري في الحزب ــ يميل حتى الآن إلى التعامل مع هذه الهجومات بالصبر واللين، بل وبالتفهم أحياناً. وباستثناء الرد المباشر والحازم والبليغ ضد تغريدات نتنياهو، بقي كوربن معتزلاً في ما بقي من إجازته، وقضى وقته في زيارات محلية وأنشطة حزبية داخلية، تاركاً مهمة الرد على الاستفزازات لكوادر من الدرجة الثالثة في الحزب، إلى درجة أن إحدى ناشطات أصدقاء إسرائيل خاطبته مباشرة بأن «يخرج عن صمته ويواجه الناس». هذا الصمت يصيب أنصار كوربن في اليسار الراديكالي بالإحباط، ويدفعهم إلى اتهامه بـ«الهلامية» وغياب الرغبة في المواجهة. لكن جون ماكدونل (العقل المدبّر في حزب العمّال) لا يجد حتى اللحظة ضرورة للدخول في إجراءات استثنائية في مواجهة هذه الحرب الشاملة، ولا سيما أن كل استطلاعات الرأي تشير إلى تصاعد مستمر في شعبية كوربن رغم كل الحملات المغرضة.
النيوليبراليّة إذن في حرب إلغاء وجوديّة مع كوربن، الذي إن حكم متمتعاً بهذا الدعم الشعبي النادر فسيكون بسياساته الاشتراكية ومعاداته للإمبريالية وللنفوذ الصهيوني في العالم، وبالاً على المركز الغربي بمجمله ونافذة أمل لتحالف من نوع جديد بين قوى الجنوب والطبقة العاملة في أوروبا، وتلك تجربة لا يريدها الغرب المهيمن مهما كان الثمن.