لندن | «إننا نتجه إلى استعادة التوازن والاستقرار للبلاد عبر خطّة للتعافي والنمو والازدهار الاقتصادي». تلك كانت الكلمات المباشرة والبسيطة التي لخّص فيها الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في مؤتمره الصحافي الليلة قبل الماضية (بتوقيت بيروت) غايات مشروع فنزويلا الاقتصادي الأضخم منذ انطلاق الثورة البوليفاريّة وتأسيس الجمهوريّة الجديدة على يد الزعيم الراحل هوغو تشافيز قبل عشرين عاماً. المشروع الذي سيتضمن إصدار عملة جديدة للبلاد وربط أجور العمل بعملة سيبيرية مرتبطة مباشرة بأسعار النفط وتحرير أسعار المحروقات، إلى جانب حزمة إجراءات متنوعة تستهدف تحقيق تنويع في مصادر دخل البلاد، يمتلك نظرياً كل أدوات النجاح، لكنّه بالضرورة يعني الاتجاه نحو فك ارتباط الاقتصاد الفنزويلي بالمنظومة الماليّة العالميّة التي تهيمن عليها واشنطن من خلال الدولار، وتكريس سيادة فنزويلا واستقلالها في مواجهة الحصار الاقتصادي الخانق الذي تتعرض له من رأس المال العالمي.

بالتأكيد، فإن الفنزويليين جميعهم ــــ مؤيدين ومعارضين ــــ تابعوا تفاصيل مؤتمر مادورو الصحافي الذي عقده بعد اجتماع للحكومة بترقب واهتمام، لأن تفاصيل الخطة الاقتصادية التي حُدد يوم 20 آب/ أغسطس الجاري الساعة الصفر لها، تعني تأثيرات حاسمة على الحياة اليوميّة لمعظم المواطنين. لكنهم بالتأكيد لم يكونوا وحدهم. فلا شكّ أن طهران وموسكو وبكين ــــ وربما أنقرة ــــ تراقب بعناية توجهات الحكومة الفنزويليّة في هذا الاتجاه، ويعنيها بالتأكيد قراءة معطيات تجربة التمرد على الإرتهان للدولار في منظومة الإقتصاد العالمي، كما واشنطن العاصمة التي تعتبر أي تهرّب من التعامل بالدولار في التداولات الاقتصاديّة العالميّة نوعاً من اعتداء مباشر عليها.
ووفق تصريحات مادورو، فإن فنزويلا ستتبنّى نظاماً جديداً لإدارة الأسعار والأجور يقوم على عملة ورقيّة جديدة ستعرف باسم «البوليفار السيادي» بقيمة تسمح بإزالة خمسة أصفار من أرقام العملة الحاليّة، توازيها عملة كريبتونيّة (على نسق البيتكوين) أطلق عليها اسم «بيترو» ستكون قيمتها مرتبطة مباشرة بعوائد النفط الفنزويلي، وستقوّم الأجور على أساسها لحظة استحقاقها. وتستهدف هذه العمليّة السيطرة على التضخم الهائل الناشئ عن ضغوط غربيّة على فنزويلا، ووقف عمليّات المضاربة التي تزيد الحال سوءاً. ولا شك أن هذا النظام المبتكر سيعطي الفنزويليين سيطرة أكبر على عملتهم الوطنيّة بالاستفادة من ثروتهم النفطيّة التي تعتبر أكبر مخزون في العالم أجمع، وستمكنهم من تكريس استفادة قطاعات العمال والفلاحين من عوائد الثروة.

ستتبنّى كاراكاس نظاماً جديداً لإدارة الأسعار والأجور يقوم على عملة ورقيّة جديدة


وبالترافق مع النظام، ثنائي العملات الذي أعلن مادورو أن يوم إطلاقه في 20 الجاري سيكون عطلة وطنيّة لتسهيل عمليّة طرح «البوليفار السيادي» الجديد، فإن الخطة الاقتصاديّة تشمل أيضاً رفع الدعم المباشر عن المحروقات التي تباع في البلاد بأسعار رمزيّة تعتبر الأقل في العالم كله (بسعر فنجان قهوة «ستاربكس» في نيويورك يمكنك أن تملأ خزان سيارة رباعيّة الدفع لـ 9000 مرة في كاراكاس)، وتوجيه ذلك الدعم للمواطنين مباشرة عبر بطاقات «أرض الأجداد» الممغنطة والتي تستعملها فنزويلا لإيصال التقديمات الاجتماعيّة للمواطنين، بينما يتعيّن على غير المسجلين شراء المحروقات بالسعر العالمي. ومن شأن نجاح هذه السياسة توفير ما يعادل 20 ملياراً من الدولارات تهدر سنوياً من الاقتصاد بسبب عمليات التهريب المكثف لمشتقات النفط إلى الدول المجاورة، ولا سيّما كولومبيا التي يحكمها نظام يميني متحالف مع الولايات المتحدة وفي حالة عداء معلن مع فنزويلا.
الإعلام الغربي المنحاز بمجمله ضد الثورة البوليفاريّة سارع إلى التشكيك بنجاعة هذه الإجراءات، واعتبر أنها ربما تكون مقدّمة لموجة من الإضطرابات وأعمال العنف تماثل تلك التي شهدتها كاراكاس لدى إعلان قرار الحكومة في 1989 رفع أسعار المحروقات (قبل وصول تشافيز إلى السلطة). وهي الموجة التي سحقتها السلطات حينها بالقوة وتسببت في مقتل ما يقارب الألف من المحتجين. بل ولمّح بعض هذا الإعلام الى أن محاولة اغتيال مادورو بداية الشهر الحالي كانت مناورة مسرحيّة نفذتها الأجهزة الفنزويليّة لمنح «التشافيزيين» المبررات لما سموه المضي في خططهم في قمع المعارضة وتطهير الجيش الذي يُخشى دائماً من رضوخه لضغوط أميركية لتنفيذ انقلاب عسكري على نسق انقلاب أوغستو بينوشيه في تشيلي 1973. لكن قريبين من الشأن الفنزويلي على الأرض يقولون بأن حادثة الاغتيال لم تكن مجرد عمل أهوج من المعارضة، بل كانت عملاً استخبارياً عالي المستوى استهدف القضاء على مادورو وحكومته بالكامل تحديداً لوقف تنفيذ خطة المواجهة البوليفارية للحرب الأميركيّة الإقتصاديّة والمستمرة على البلاد منذ عقدين، وهي التي أعلن تفاصيلها مادورو في مؤتمره الصحافي. وللحقيقة، فإن هذه الخطط ليست بالجديدة، فقد كانت الحكومة قد أعلنت أنها تعمل عليها منذ أشهر، بل إن الولايات المتحدة رفضت بشدة مشروع عملة «بيترو»، وشددت العقوبات في آذار/ مارس الماضي على فنزويلا من أجل إسقاطه.
العالمون بالشأن الإقتصادي مدركون تماماً أن خطة مادورو ستكون بمثابة ثورة ماليّة قد تكون فاتحة لتسونامي تغيير نحو التخلي عن الدولار كمرجعية تسعير في الأسواق العالميّة والانتقال نحو العملات الإلكترونيّة المشفرة ومزيد من التجارة المباشرة بين دول الجنوب من دون الحاجة إلى المرور بالمركز الرأسمالي الأميركي. فروسيا والصين ــــ وكلاهما له اهتمام جليّ بالنفط الفنزويلي ــــ شرعا بالفعل منذ فترة في بناء مخزون ضخم من الذهب لدعم قيمة عملتهما، بينما كانت إيران ــــ التي تتعرض بدورها لحصار وعقوبات أميركية ــــ قد أعلنت عن إمكانيّة تبني نظام مالي مماثل لما ستطلقه فنزويلا.
لعلّ من المبكر توقع النتائج ــــ محلياً في فنزويلا وعالمياً في الإقتصاد العالمي ــــ التي قد تترتب على الخطة الفنزويليّة الجديدة. ولا شك أن التجربة ستقع في بعض المصاعب التقنيّة والإجرائيّة وهي بحاجة إلى الوقت كي تقطف ثمارها. لكن القلق في هذه المرحلة ليس على التجربة ذاتها، لكن من ردة فعل واشنطن المتوقعة على هذه الجرأة الفنزويليّة. إذ إن ثروة الإمبراطوريّة الأميركيّة التي تموّل حياة نخبتها المرفهة وأنشطتها حول الكوكب تعتمد أساساً على ثقة دول العالم بالقوة الماديّة الهائلة التي تمتلكها واشنطن معبَّراً عنها بالدولار الذي لا غطاء ذهبياً له منذ عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، ولعله أقرب ما يكون إلى بيتكون ورقي. وتراجع التعاملات بالدولار بين دول الجنوب في ما بينها يعني بحكم منطق الأشياء تلاشي جزء كبير من تلك الثروة في المدى المنظور. ولا يُستبعد أن يمارس المجمع الصناعي ــــ العسكري ــــ الاستخباري الأميركي والبنوك والمصالح الماليّة المعولمة ضغوطاً على إدارة الرئيس دونالد ترامب لتنفيذ عمليّة غزو متهور ضد كاراكاس في وقت قريب سعياً لإسقاط الـ«بيترو» والتشافيزيين معاً، وهي الإدارة التي كانت قد أعلنت مرات عدة أنها لا تستبعد خيار التدخل العسكري لاستعادة فنزويلا إلى بيت الطاعة.