انتهت منذ أسبوعين محاكمة المتهمة الوحيدة في قضية خلية تسمى «القومي-الاشتراكي السري/Nationalsozialistischer Untergrund, NSU»، بِآتِ تسشبِ، التي بدأت في مطلع 2013، عبر 376 جلسة محاكمة، وصدر الحكم عليها بالسجن المؤبد، ما يعني صعوبة إطلاق سراحها في أي وقت كان. المجموعة ارتكبت جرائم قتل بحق أجانب أو من أصل أجنبي (8 أتراك ويوناني واحد) إضافة إلى شرطية ألمانية، وأربع عشرة جريمة سطو على مصارف في مختلف المدن الألمانية، إضافة إلى تفجيرين في مدينة كولونيا، بين عامي 2000 و2011. ما أبرز هذه المجموعة من غيرها من العصابات اليمينية المتطرفة أنها لم تعلن جرائمها.

صدور هذا الحكم ليس بالأمر الجديد. الجديد حقاً هو تعليقات القاضي على القضية ككل.
المحاكمة أظهرت ثغرات عدة أثارت علامات استفهام كثيرة حول دور بعض أجهزة الدولة في دعم هذه العصابة ومساعدتها ليس في الحصول على الأسلحة والمتفجرات فقط، إنما في عدم إجراء أي تحقيق جدي، ومساعدة بقية أعضاء العصابة على الفرار. المجموعة اكتُشفت عندما اندلعت النيران في سيارة سكن في مدينة آيزناخ، وعثرت الشرطة على العضوين الآخرين في المجموعة مقتولين بالرصاص. القاضي تعجّب كيف يمكن للشخصين الانتحار، بعد فشل محاولة سطو على مصرف في المدينة، ثم إحراق أنفسهما. كما تعجب من الادعاء بأن وجود أحد مسؤولي مباحث الدولة المتتبع للقضية في مقهى إنترنت عندما ارتكب أحد أعضاء العصابة جريمة قتل صاحب المقهى التركي، كان بمحض المصادفة لا غير.

بعد الكشف عن المجرمين تقدمت الدولة الألمانية بالاعتذار من ابنة المغدور


الأمر الآخر المثير للانتباه هو كيف يمكن أن تبقى جرائم قتل أجانب استمرت نحو 11 عاماً من دون متابعة أجهزة الشرطة أو جذب اهتمام الجمهور؛ قيل أيضاً أن الشرطية الألمانية قُتلت لأنها تعرفت إلى أحد المشاركين في الجرائم. من الأمور الأخرى المثيرة للدهشة هو عدم معاقبة أي من مسؤولي الدولة، وفي جهاز الاستخبارات الألماني تحديداً ومكاتب الادعاء العام في ولايتي ثورنغيا وسكسونيا، الذين عملوا على التخلص من ملفاتهم عن القضية بعدما طلبها المدعي الألماني الاتحادي.
على رغم «ترحيب» صحافة المؤسسة الحاكمة بالحكم، فإن بعضها توقع تبرئة المتهمة قبل أيام قليلة من صدور الحكم. كما أن الصحافة الألمانية لم تبدِ أي اهتمام يذكر بجرائم القتل التي ارتكبتها عصابة «أن أس أو»، ولم تمارس أي دور في لفت انتباه الألمان إلى خطورة تلك الجرائم وأهمية الكشف عن المجرمين. الصحافة وأجهزة التضليل الأخرى عملت على التغطية على تلك الجرائم، خصوصاً المتعلقة بالضحية التركي مالك متجر بقالة، إذ حاولت ربط المغدور بعصابات المافيا وعصابات تهريب المخدرات والاتجار بها. هذا أثّر أيضاً في زملاء المغدور وجيرانه الذين قاطعوا عائلته، ما أجبرها على مغادرة ألمانيا إلى الولايات المتحدة.
بعد الكشف عن المجرمين الحقيقيين تقدمت الدولة الألمانية بالاعتذار من ابنة المغدور التي رفضت الاعتذار والعودة إلى ألمانيا.
صدور الحكم على بِآتِ تسشبِ لا ينهي قضية التنظيمات الإجرامية اليمينية المتطرفة في ألمانيا، بل إنه بداية تظهر مدى تغلغلها في مختلف أجهزة الدولة. ومن الواضح أن ذلك ليس هيناً، ومعرفة مداه يمكن أن يفجر الدولة من الداخل، ذلك أنها منعت الكشف عن محتوى تقارير أجهزة الاستخبارات الألمانية ذات الصلة قبل مرور 120 عاماً، أي في 2138!