«قمة أطلسية» مضطربة شهدتها بروكسيل أمس. فلا رئيس أميركي يعترف بدور بلاده التاريخي تجاه القارة الأوروبية، والمستمر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولا منظومة أوروبية مستقرة بما فيه الكفاية لاستيعاب كلّ ما يجري فيها، ومن حولها، من متغيرات.

بعد النهار الطويل، نشر قصر الرئاسة الفرنسية بياناً أراد أن يكون تطمينياً، فقال إنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أكد لنظيره إيمانويل ماكرون أنّه «لم تكن هناك يوماً قطيعة» بين الولايات المتحدة وأوروبا على رغم توترات قمة «الأطلسي» في بروكسيل، وفق الإليزيه، علماً أنّ ترامب كان قد هاجم أعضاء الحلف خلال النهار، خصوصاً ألمانيا «التي لا تدفع ما يتوجب عليها» لنفقاتها العسكرية.
لكنّ الصحافة الفرنسية كانت أصدق من بيان الإليزيه، «فببطء شديد، كما دوماً بما يخص عقل أوروبا في ما بعد الحرب العالمية الثانية.... ثمة في الختام واقع يبرز: هناك ضرورة لإعادة تصوّر عالم لم يعد فيه العملاق الأميركي صديقاً لأوروبا»، كتبت سيلفي كوفمان في صحيفة «لوموند».
منبع هذا الكلام ليس أنّ ترامب لا يراعي هواجس أوروبا فحسب، بل لأنّه يصب مواد مشتعلة فوق تلك الهواجس أيضاً. كمثال على ذلك، قبل وصوله إلى بروكسيل يوم أمس، تحدث الرئيس الأميركي عن الأجواء المتوقعة في هذه القمة، وبدأ بشنّ هجوم على الحلف قائلاً: «لم يعاملنا الناتو بطريقة عادلة»، مستدركاً: «لكن أعتقد أننا سننجح في تحقيق شيءٍ ما». واتهم ترامب دولاً في الحلف بالتقصير في تحمل نفقاتها العسكرية، مطالباً إياها بـ«تسديد» متأخرات للولايات المتحدة. وكتب في تغريدة على «تويتر» أنّ «دولاً عدة في الحلف ندافع عنها لا تكتفي بعدم الوفاء بتعهد الـ2 في المئة، بل تقصر منذ أعوام في تحمل نفقات لا تسددها. هل ستسدد المتأخرات للولايات المتحدة؟»، وهنا أشار ترامب إلى ما كانت تعهدت به الدول الـ29 الأعضاء في الحلف بتخصيص 2 في المئة من إجمالي ناتجها المحلي «للنفقات الدفاعية» بحلول عام 2024.
وبكلام فيه الكثير من الاستفزاز للأوروبيين، كان الرئيس الأميركي قد اعتبر في وقتٍ سابق أن قمته المرتقبة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في هلسنكي يوم الاثنين المقبل، قد تكون «الأسهل» في جولته الأوروبية، متعهداً بعدم السماح للاتحاد الأوروبي «باستغلال الولايات المتحدة». وبدا أنّ ترامب سعى لإبعاد التركيز عن القمة المرتقبة بينه وبين بوتين، بالقول: «من المفترض أن نحمي أنفسنا من روسيا، وألمانيا تذهب لدفع مليارات ومليارات الدولارات سنوياً لروسيا»، في إشارة إلى ما اعتبره اعتماداً ألمانياً على الغاز الروسي. وقال: «ألمانيا تحت السيطرة الكاملة لروسيا... إنّها رهينة روسيا».

جاء البيان الختامي للقمة كلاسيكياً بلغته تجاه روسيا... وإيران


بعيداً عن الصخب الذي يرافق جولات ترامب، ففي النواحي العملية لم يكن المطلوب من قبله، أمس، تخصيص الأوروبيين لنسبة 2% من إجمالي الناتج المحلي «للنفقات الدفاعية» بحلول عام 2024، وإنّما ذهب أبعد من ذلك من خلال اقتراحه على الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي زيادة نفقاتها العسكرية إلى 4% من إجمالي الناتج الداخلي، أي ضعف الهدف المحدد سابقاً. وقالت ساره ساندرز، وهي المتحدثة باسم البيت الأبيض، إنّ ترامب في كلمته أمام قمة بروكسيل «اقترح أن تحترم الدول، ليس فقط التزاماتها بتخصيص 2% من إجمالي الناتج الداخلي لنفقات الدفاع، بل أن تزيدها إلى 4%»، موضحة أنّ ترامب «كان أثار الأمر نفسه مع الحلف الأطلسي في السنة الماضية». وقالت: «إنّ الرئيس ترامب يريد أن يساهم شركاؤنا بقسط أكبر في العبء وأن يوفوا على الأقل بالتزاماتهم التي أعلنوها».
وعلّقت الرئاسة الفرنسية بأنّ هذا «موقف قديم لدونالد ترامب»، مضيفة: «ستجدونه في كثير من خطبه. إنها نقطة كلاسيكية في موقفه من النفقات داخل الحلف الأطلسي. وهو يجعل نسبة نفقات الولايات المتحدة في الناتج الإجمالي مَرْجعاً». بدوره، أشار وزير خارجية لوكسمبورغ جان اسيلبورن، إلى أنّ «معظم القادة اعترفوا بأنّه يتعين القيام بجهود، لكنهم رأوا مقاربة الرئيس الأميركي الحسابية عبثية».
على صعيد البيان الختامي للقمة، فقد جاء كلاسيكياً بلغته، إذ أكد القادة الحاضرون الالتزام «بتحسين الموازنة في تقاسم النفقات والمسؤوليات المتعلقة بالعضوية في الحلف»، فيما عبّروا عن القلق إزاء «نشاطات روسيا الأخيرة»، مؤكدين تضامنهم مع الموقف البريطاني في ما يخص اتهام موسكو بالوقوف وراء «الهجوم بغاز الأعصاب» في مدينة ساليزبوري البريطانية. واعتبر الحلف في بيانه الختامي أن نشاطات روسيا أدت إلى انخفاض مستوى الأمن والاستقرار وجعلت الأوضاع الأمنية «غير قابلة للتنبؤ». أيضاً، دعا البيان روسيا إلى «سحب القوات من أوكرانيا وجورجيا ومولدوفا».
في السياق التقليدي نفسه، دعا قادة حلف شمال الأطلسي جميع الدول إلى مواصلة «الضغط الحاسم» على كوريا الشمالية، بما في ذلك التنفيذ الكامل لعقوبات الأمم المتحدة لإقناعها بالتخلي عن أسلحتها «النووية والكيماوية والبيولوجية». وعبّر قادة الحلف أيضاً عن «القلق» من التجارب الصاروخية الإيرانية «المكثّفة»، وقالوا إن الحلف ملتزم «بأن يظل البرنامج النووي الإيراني سلمياً على نحو دائم».
في المحصلة، الأكيد أنّ قمة «الأطلسي» الأخيرة قد كشفت الكثير عن العالم الغربي الجديد، وكيف يرسم ترامب أطراً جديدة له، بما يخص المنظومة الأمنية والعسكرية الغربية، أو بما يخص مستقبل العلاقات التجارية ضمن المنظومة نفسها. في مقالتها، تقول سيلفي كوفمان إنّ مسؤولي الشركات الأوروبية والديبلوماسيين الأوروبيين الذين يعرفون الولايات المتحدة عن قرب «والذين لطالما كانوا مفتونين بها» فهموا أنّ «دونالد ترامب لا يمثّل هفوةً تاريخية، ولكنّه يُجسّد نزعةً عميقةً... كان بالإمكان رصدها حتى قبل انتخابه لو أننا أولينا أهمية للعلامات التحذيرية».