تشهد الولايات المتحدة، منذ أيام، نقاشاً ساخناً بشأن الإجراءات الأخيرة التي نفّذتها الإدارة الأميركية ضد مهاجرين غير شرعيين إلى البلاد، عبر فصل الأطفال عن عائلاتهم. وقد كشفت إدارة الرئيس دونالد ترامب، يوم الجمعة الماضي، عن تداعيات سياسة «عدم التسامح» (Zero-tolerance policy) مع المهاجرين على الحدود مع المكسيك، حيث فُصل أكثر من ألفي طفل عن آبائهم الذين أوقفوا لدخولهم بطريقة غير شرعية منذ شهرين.

وفيما يدافع ترامب عن هذه السياسة، ينقسم الجمهوريون والديموقراطيون، من الطرفين، بين مؤيّدٍ ومعارض له، بالإضافة إلى ضغوطٍ كبيرة من وسائل الإعلام على إدارته حول هذه القضية.
ولكن ترامب قرّر أن يغيّر سياسته التي استمات في الدفاع عنها، إذ أعلن، اليوم، أنّه سيوقع أمراً تنفيذياً «بعد قليل» للإبقاء على أطفال المهاجرين مع أسرهم! وقال: «نريد أن نبقي الأسر مع بعضها»، مشيراً إلى أنه يأمل في أن يتم ذلك بالتوازي مع قانون يصدره الكونغرس، حيث من المقرّر أن يدرس مجلس النواب مشروع قرار في هذا الشأن يوم غدٍ الخميس.

ما هي سياسة «عدم التسامح»؟
تقوم سياسة «عدم التسامح» على إبعاد الأطفال عن والديهم المهاجرين بشكل غير شرعي، لكون الأطفال لا يستطيعون البقاء في السجن لوقت طويل. يتم اعتبار الأطفال «غير مصحوبين بأحد»، ويتم توجيههم عبر نظام معالجة يشمل وزارة الصحة والخدمات الإنسانية. بين الخامس من أيار/ مايو الماضي والتاسع من حزيران/ يونيو الحالي، فُصل 2342 طفلاً عن ذويه، بحسب إحصائيات وزارة الداخلية الأميركية. وقد أظهرت صور وفيديوات أطفالاً يبكون بعد إبعادهم عن عائلاتهم، فيما ظهر في صور أخرى مهاجرون محتجزون داخل أقفاص مسوّرة بجدران معدنية في ولاية تكساس. في المركز نفسه، أكد صحافيون احتجاز أكثر من 20 طفلاً في أقفاص أرضية خرسانية، حيث أُعطوا بطانيات هي عبارة عن رقائق معدنية وعبوات ماء وطعام، أثناء انتظارهم، ليتم النظر في أمرهم. فضلاً عن ذلك، ليس هناك إحصائيات، حتى الآن، عن عدد الأطفال الذين أُرجعوا إلى ذويهم.
وزيرة الداخلية كيرستين نيلسن قالت، أول من أمس، إنه في الأشهر الأخيرة، شهدت وزارتها زيادة هائلة في عدد الأجانب غير القانونيين، الذين يستخدمون الأطفال ليشكلوا ما أسمتها بـ«وحدات عائلية» للدخول إلى الولايات المتحدة.
وكشفت، في تصريحات صحافية، أنه «من تشرين الأول/ أكتوبر 2017 إلى شباط/ فبراير 2018، كانت هناك زيادة بنسبة 315 في المئة في عدد حالات البالغين الوافدين، إلى جانب قاصرين يتظاهرون بشكل احتيالي على أنهم عائلات للدخول».
وشدّدت نيلسن على أن أي شخص يقوم بعبور الحدود بشكل غير شرعي، «سيكون تحت طائلة المتابعة القضائية». على المنوال نفسه، أكد مستشار ترامب، ستيف كورتس، أن هؤلاء المهاجرين هم «غزاة». وفي مقابلة تلفزيونية مع شبكة «سي أن أن»، قال إن الذين يريدون الدخول إلى الولايات المتحدة بطريقة غير شرعية «يجتاحون البلاد».



هل هناك قانون يسمح بفصل الأطفال عن آبائهم؟
لا يتم فصل الأطفال عن أهاليهم بموجب قانون، بل بدأ هذا الأمر حين أعلن وزير العدل الأميركي جيف سيشنز، في شهر أيار الماضي، أن وزارتي العدل والداخلية ستعملان معاً لملاحقة كل من يجتاز الحدود بطريقة غير شرعية. وفي حال كان العابرون يصطحبون طفلاً، سيتم فصل هذا الطفل عنهم. سيشنز ومسؤولون آخرون قالوا إن هذا الإجراء يهدف إلى ردع المهاجرين من اجتياز الحدود بطريقة غير شرعية. غير أن وزيرة الداخلية نفت أن يكون الهدف من هذه السياسية هو الردع، وذلك على الرغم من أن مسؤولين آخرين، مثل المسؤول في وزارة الصحة الأميركية، ستيفن فاغنر، توقع أن ينتج من هذه السياسة أثر ردعي، وأمل يوم أمس، أن يتوقف الأهالي عن اصطحاب أطفالهم في هذه «الرحلة الخطيرة».
وهي ليست المرة الأولى التي يُتخذ فيها إجراء مماثل. ففي عهد الرئيس السابق باراك أوباما، حين تصاعدت أزمة المهاجرين عام 2014، انتشرت صورٌ شبيهة بتلك التي رأيناها في الأيام الأخيرة، عبر وسائل الإعلام.


ما هو موقف ترامب؟
دافع ترامب باستمرار عن سياسة فصل الأطفال عن عائلاتهم. وقد جدد يوم أمس، تأكيده أنه الخيار الوحيد لمحاربة الهجرة غير الشرعية، بشكل فعّال. الرئيس الأميركي اتهم الديموقراطيين مجدداً بالمسؤولية عن الأزمة الحالية، قائلاً إنهم يعطّلون أي إصلاح بشأن الهجرة في الكونغرس. وخلال مواجهته الكونغرس، أكد أنه سيمضي في سياساته بشأن الهجرة، داعياً مرة أخرى إلى وضع حد لعبور المهاجرين بشكل غير قانون للحدود الأميركية ــ المكسيكية.
في ما يتعلق بنقطة إبعاد الأطفال، قال ترامب: «لا أريد فصل الأطفال عن والديهم. عندما تعتقل الأهل بسبب دخولهم غير القانوني إلى البلاد، وهذا ما يجب فعله، عليك عندها أن تفصل الأطفال».
الرئيس الأميركي اتهم وسائل الإعلام بالتواطؤ مع «المهرّبين»، قائلاً: «لا نريد أن يتدفّق الناس إلى بلادنا. نريدهم أن يأتوا من خلال عملية قانونية ونريد، في النهاية، نظاماً قائماً على الجدارة».
وفجر أمس، غرّد ترامب، عبر موقع «تويتر»، قائلاً: «في حال لم تكن لدينا حدود لن تكون لنا بلاد»، مضيفاً أنه «علينا أن نوقف على الدوام الأشخاص الذين يدخلون بلادنا بشكل غير شرعي».
إظهار نتائج استطلاعات الرأي تأييد الغالبية الجمهورية لقراره هذا، دفع بترامب إلى التمسك أكثر فاكثر بمواقفه، محمِّلاً أعضاء الكونغرس كمشرعين مسؤولية العمل «على تغيير هذه القوانين السخيفة، بشأن الهجرة التي مرّ عليها الزمن».


ما هو موقف الكونغرس؟
دعا دونالد ترامب أمام الكونغرس، الأعضاء الجمهوريين الذين يشكلون الغالبية في مجلسي النواب والشيوخ إلى التصويت، ابتداء من الخميس، على إصلاح لقوانين الهجرة. إلا أنه وأمام كثرة الخلافات بين الأعضاء، فإن نتيجة التصويت لن تكون بالضرورة مضمونة لترامب. ليس الديموقراطيون فقط هم من يعترض على هذه السياسة، فقد برز تذمّر بين الجمهوريين أيضاً. وأبدى زعيم الغالبية في مجلس الشيوخ، السيناتور ميتش ماكونيل، معارضته لسياسة إدارة ترامب المتعلّقة بالهجرة، وفصل الأطفال عن ذويهم، الذين يعبرون الحدود بشكل غير قانوني. وقال إن «جميع أعضاء الغالبية من الحزب الجمهوري، يؤيدون خطة تُبقي العائلات مجتمعة، ويدعمون مقاربة تقوم على إبقاء الأطفال مع ذويهم لحين الحسم في وضعهم القانوني من قبل المحاكمة».
السيناتور الأميركي أعرب، أيضاً، عن أمله في أن «يتوقف الضرر السياسي الناجم عن سياسة ترامب، ووضع حدّ للقصص المفجعة للأطفال الذين فصلوا عن أمهاتهم، ووضع الأطفال في معسكرات للاحتجاز المؤقت».
كذلك، أكد عدد من كبار ممثلي الحزب الجمهوري، مثل السيناتورين ماركو روبيو وتيد كروز، و«الرجل الثاني» للجمهوريين في مجلس الشيوخ جون كورنين، رغبتهم بإقرار قانون يتيح لأفراد العائلات البقاء معاً، بانتظار مثولهم أمام قاضٍ للبت بأمرهم. بدوره، عبّر السيناتور جون ماكين، المعروف بمواقفه المنتقدة للرئيس الأميركي، عن استيائه من هذه السياسة، قائلاً إن «السياسة الحالية الفظة (...) هي صفعة للمبادئ والقيم التي قامت عليها أمتنا».
وكان ترامب قد اعتبر في تغريدة، أن «الديموقراطيين هم المشكلة. إنهم لا يكترثون للإجرام ويريدون أن يتدفّق المهاجرون غير الشرعيين على بلادنا بمعزل عن نسبة خطورتهم». فردّ عليه السيناتور الديموقراطي شاك شومر، بالقول: «سيدي الرئيس، أنت الوحيد القادر على حل هذه المشكلة بشحطة قلم (...)، رمي المسؤولية على الآخرين سهل وغير شريف».