لدى الدخول من باب غاليري Letitia (الحمرا ــ بيروت)، سنقع على أشكال هندسيّة متدلّية من السقف، بأحجام وأشكال متفاوتة، وعلى أخرى موضوعة على الأرض. في كل الحالات، ستبدو هذه اللوحات في معرض «عتبة» (Threshold) لحاتم إمام (تنسيق: أماندا أبي خليل)، مجرّد هياكل فارغة أديرت خلفياتها إلى باب الغاليري وواجهتها الزجاجيّة. ما إن نجتاز الشريط الأزرق الملصق في منتصف الصالة، حتى نتمكّن من الرؤية، لكنها رؤية محكومة بما لا يقلّ تجريداً عمّا كان قد ظهر مسبقاً. إذ إن الفنان اللبناني، خطّ مشهديّاته كتموجات بالأسود والأبيض، وبخطوط تصنع ما يفترض أن يكون مناظر طبيعيّة. استخدم إمام أنماطاً من الطباعة اليدوية (مونوتيب وحفر ...) بالحبر على مواد متعدّدة: الورق وألواح الزينك والبليكسي غلاس، وبالأسيد والحبر على الرخام. تقنيات الطباعة لا تفضي إلى نقل مشهد معيّن بذاته فحسب. التجريد المشهدي، يبدو بحثاً تائهاً في كيفيّة تمثيل المناظر الطبيعيّة، والمعاني التي يكتسبها المنظر خلال التحوّل من الحضور الحقيقي إلى المتخيّل (المكان نفسه، ورؤية الفنان وأسلوبه، وطرق العرض...).

في معرضه الفردي الأوّل في لبنان، ليس علينا أن ننتظر رؤية مساحات طبيعية عادية أو مألوفة. لا نعرف كم يشبه إمام مجايليه من فنانين لبنانيين انفتحوا بكافة وسائطهم على الخارج، على المساحات اللبنانية الطبيعية والمدينية، كجزء من هواجس فرديّة وجماعيّة، رأيناها في صور لارا تابت، ورشا كحيل ونديم أصفر وميريام بولس وغيرهم. وقبلهم في اللوحة، وفق دوافع مختلفة بالطبع، مع عمر الأنسي وصليبا الدويهي ومصطفى فرّوخ وآخرين ممن تذكرهم أماندا خليل في مقالتها/ دليليها عن المعرض داخل الكاتالوغ باللغة الإنكليزية.

يأتي معرض حاتم إمام ليستكمل تجاربه ومشاركاته الجماعيّة في مجلّة «السمندل» التي أسهم في تأسيسها (تانيا طرابلسي)

يأتي معرض إمام ليستكمل تجاربه ومشاركاته الجماعيّة في مجلّة «السمندل» التي أسهم في تأسيسها. وفيها عرض أساليبه التجريبيّة في مجال الكوميكس، خصوصاً اختباراته التجريديّة والمطبوعة خلال السنوات الأخيرة. رأينا اشتغاله على ثيمة المناظر الطبيعية والمدينيّة في سلسلته «الناظِر» التي اشتقّ منها أعمال معرضه الحالي. عُرِضت السلسلة في كتاب للـ «السمندل» بعنوان «جغرافيا»، ونشرت مجدّداً في دليل المعرض. وإذ يحضر المشهد في السلسلة بخطوط ضئيلة، إلا أنه يكاد يتلاشى تماماً أمام عينيه اللتين تحاولان عبثاً تسوية اللحظة المناسبة للرؤية. محاولات، كلّما تضاعفت، تفضي إلى علاقة مشوّشة مع الفضاء الخارجي. علاقة تراوح بين الانغماس إلى درجة العمى وبين افتقار التفاصيل لدى الابتعاد. وبالعودة إلى أعمال المعرض، فإن إمام، ينحو إلى مزيد من الإقلال هنا في لوحاته التي تتراءى كخرائط طوبوغرافيّة لوديان وأنهار وجبال ومنحدرات، وأحياناً كمشاهد قريبة جدّاً. أمام كلّ هذا التجريد، لدينا طريقة العرض، التي تفتح آفاقاً مادّية وآنيّة لمناظره الطبيعيّة. كأن ما أفلت من عينيه في اللوحات، يستعيض عنه ببناء مكان ماديّ وملموس في الغاليري. كم يمكن فصل العمل الفني عن أطره المتمثلة في الغاليري وطرق العرض؟ التنبّه إلى سلطة الغاليري على المتفرّج وعلى معنى العمل الفني، يدفعان إمام إلى التخلي عن الطرق التقليدية، وإلى التدخل في الفضاء المادّي للعرض. أوّلاً، يصنع الشريط الأزرق في منتصف الصالة باباً أو عتبة، وفق عنوان المعرض، مغايراً عن الحدود الأساسيّة المتمثّلة بباب الغاليري وواجهتها الزجاجيّة. هكذا يضيف حدوداً أخرى إلى الغاليري التي تعدّ هي نفسها إطاراً خارجياً للأعمال، مفصولاً عنها، ويفصلها عن الخارج في الوقت نفسه.
أسئلة يثيرها نص لـ و.ج. ت ميتشل حول تمثيلات المناظر الطبيعيّة بصريّاً، وعلاقتها بالقوّة والاستعمار في فلسطين ونيوزيلندا وبريطانيا

وفي إدارته لخلفيات اللوحات إلى الواجهة، يكثّف إمام من العزل الذي تفرضه الغاليريهات. لكنه في الوقت نفسه يضعنا أمام مشهدين، حين نقف لنرى اللوحات، هما خلفية الشارع المتحرّك في الوراء، ومناظره في اللوحات. أمام المشهد الحقيقي في الخلف، يمكن قراءة تجريد اللوحات على أنه سؤال متواصل عن معنى المكان وتجلياته المادية والمفاهيمية. أسئلة يثيرها نص طويل للكاتب والأكاديمي الأميركي لـ و.ج. ت ميتشل حول تمثيلات المناظر الطبيعيّة بصريّاً، وعلاقتها بالقوّة والاستعمار في مشاهد فلسطين المحتلّة ونيوزيلندا وبريطانيا. يمكننا أن نقرأ المقالة التي نشرت بداية عام 1994، في كتالوغ المعرض، حيث ينطلق ميتشل من المناظر الطبيعية بوصفها قوّة ثقافية لا مشهداً يُرى ويُقرأ، بل قوّة يتشكّل فيها المعنى السياسي والاجتماعي. على الجدار الخارجي المقابل للغاليري، حيث ركنت سيارات على جانب النزلة المؤدية إلى شارع الحمرا، رسم إمام ما يشبه مرآة لأعمال الغاليري المعلقة في الداخل. أيهما المكان الحقيقي؟ يضع إمام المتفرّج أمام حالات مختلفة من الأمكنة، بين الحقيقي منها والمتخيّل، وبين الفضاءات العامّة والخاصة، والثابتة داخل أطر متفاوتة الأحجام وتلك المتحرّكة التي يدعونا المعرض إلى إعادة التفكير في الحدود التي تفصلها، وتجعلها متقاربة إلى هذا الحد في الوقت نفسه.

* معرض «عتبة» (Threshold) لحاتم إمام: حتى 2 شباط (فبراير) الحالي ــ غاليري Letitia (سارولا ــ الحمرا). للاستعلام: 01/353222