في حالة ثبات أو انتظار أو حتى غيبوبة، تبدو الطبيبة عبير (دانا مخايل) وعشيقها بهاء (شادي قاسم) المربوطان إلى كرسي عند خط يفصل الخشبة إلى مثلثين. في وسط الخط، يقف رجل مقنّع يرتدي قفازات خلف طاولة عليها أدوات كأنها عدّة لمهمة سيتولاها. هكذا يموضع المخرج السوري ساري مصطفى شخصيات «حقن اللعبة» في مواقع تعلن منذ البداية عن طبيعة علاقتها ببعضها ومراكز القوى في ما بينها. تستفيق عبير من غيبوبتها، لتفاجأ بـ «المزحة»، وينطلق استجواب لا يخلو من الترهيب النفسي والتعنيف الجسدي والحقن بالبنزين وغيره من المواد. استجواب يأخذ منحى استبطان واعتراف للنفس وللجلاد/ المقنّع، بحقائق تعرّف عن الشخصيات وعن حياتها حتى يسقط القناع عن وجه كرم (أديب رزّوق) زوج عبير، ويدخل هو في اللعبة ويحقنها. ستنقلب موازين القوى لاحقاً ويتخذ تطور الفعل الدرامي مناحي مفاجئة وغير متوقعة.

«حقن اللعبة» الذي انطلق أخيراً في «مانشن»، عرض متعدد الوسائط، تولى كتابته وإخراجه والسينوغرافيا فيه ساري مصطفى. ليست المرة الأولى التي يتولّى فيها مصطفى مهاماً عدة في العمل نفسه، إذ سبق أن خاض تجربة مماثلة في «حلم» الذي عرض في «مسرح بابل» عام 2016.
«حقن اللعبة» مسرحية مكثفة محقونة بطبقات من المعاني، تتطرق إلى مواضيع حساسة تتعلق بالمرأة في المجتمع الذكوري، وتحديداً المجتمع السوري هذه المرة. ماذا لو صودف أنّ الأب يشغل منصب قوة في الدولة؟ ما هي مضاعفات أن تكبر امرأة (عبير) في مجتمع مماثل؟ هل يمكن اتخاذ قرار العودة مع كل ما يحمل من خطورة ومجازفة؟

مسرحية مكثّفة محقونة بطبقات من المعاني


نص العرض توالف مع الإخراج، ليبرز عمقاً في معالجة الشخصيات ونفسياتها وعلاقاتها ببعضها وبالمحيط الاجتماعي وتأثيره. وجاء الممثلون بأدائهم المتمكن، كأنهم يستمتعون باللعب. فالتفتيش عن التفاصيل كان جلّياً في إدارة الممثل وتركيب الشخصيات وغيرها من عناصر العرض. تزاوج الفيديو مع السينوغرافيا الواقعية، ليستدعي ماضي الشخصيات وصوراً وأحاسيس علقت في نفوسها، فيضعنا في عالم تطواف في دواخلها ويأخذنا إلى رحلة ذات بعدٍ سايكيديليكي.
البصري ينتقل من الخيال/ عالم داخلي، إلى واقع غرفة التعذيب أو كرسي الاعتراف، مما يزيد من ثقل الواقع وفجاجته. نتماهى مع المُعنَّف، فنشكل ثنائياً في رهبة ما يحصل والقلق من المجهول القادم. يُستحضر الواقع السوري الدامي في شكل غير مباشر بينما نشهد على الاستجواب. عبير وبهاء لا يدريان أين هما فعلياً «وين أنا؟ شو هالمزحة هاي؟»... قبل أن يستدركا الوضع: إنّهما واقعان تحت سلطة المضيف الذي يستغل الفرصة ليستهزئ بهما ويقرر مصيرهما «هون أنا اللي بقرر الإشيا». يتحكّم كيف ومتى يأكلان ويشربان. رمزية لصعوبة الحصول على ما كان يبدو بديهياً في الحياة الطبيعية كحق الشرب والأكل كما على الاستبداد البشري. نفهم عجزهما عن استيعاب الشرخ الذي ألمّ بهما. تقول عبير: «فيي ارجع عالبيت هلأ؟»، فيأتي الجواب بـ «بس انتي بالبيت». هنا، تطرأ معضلة خسارة الوطن، والتاريخ الشخصي، خسارة المنزل... عالقون هنا الآن مع امتداد وتشظٍ مفهوم المكان والزمان.
ديناميكية الواقع تصبح افتراضية، فتطور الأحداث ليس تصاعدياً فقط، بل يتصاعد ويشتق إلى مسارات مختلفة ويتبنى حقائق جديدة متناقضة تماماً. كل ما يُعمّره ساري مصطفى يقلبه رأساً على عقب بتكرار وتكرار. الشخصيات الثلاث تخلق واقعاً افتراضياً تصدقه، عبر كبسة الـ play وpause، وتستجيب معه للآخر. هذه الديناميكية تنعكس على المشاهد، فيحار: هل يتعاطف مع الزوج أم يكرهه؟ هل يؤيد عبير أم يناقضها؟ هل يتفهم العشيق الولهان أم يبغضه بعد أن يعلم بتواطئه في لعبة الزوج؟ تنقلب اللعبة على القوى السائدة ويمسك الأضعف زمام الأمور فتنقلب الموازين. يجد المشاهد نفسه في عبثية تماهيه ويشكك في الواقع، ويسائل ما يحس من جهة، وآلية التماهي وخلق الحقائق وشرعيتها من جهة أخرى.
الوقع كان ثقيلاً بالمعنى الإيجابي. لا تصدقوا أنّه حين يلقي الممثلون تحيتهم معلنين نهاية العرض، ستتخلصون بسهولة من دوامة التفكير والمساءلة. حلقات الواقع/ الواقع الافتراضي لا متناهية، واللعبة تبدأ فعلياً عند انتهاء العرض كما تم الإعلان عنه. كأن ساري يقول على لسان ألبير كامو: «أصرخ قائلاً إنني لا أؤمن بشيء وأن كل شيء عبث».

* «حقن اللعبة» (الدعوة عامة): 20:00 مساء كل خميس وجمعة وسبت حتى 7 نيسان (أبريل) ــ «مانشن» (زقاق البلاط) ـــ بدعم من «المورد الثقافي» و«اتجاهات ثقافة مستقلة» ــ للاستعلام: 81/625032