انكبّت الفرقة اللبنانية على «أكره المسرح، أحبّ البورنوغرافيا» (50 د) في عام 2014 خلال إقامة فنية في «مركز ابسن النرويج»، مستندةً إلى تيمات من مؤلفات الكاتب المسرحي هنريك ابسن. قُدّم العرض كعمل قيد التطوير في النرويح عام 2014، والهند عام 2015 وفي لبنان أيضاً. وها هو يعود إلى بيروت ليحطّ في «مسرح المدينة»، مستكشفاً أشكال الفساد في عالم اليوم، ومستخدماً المسرح كأداة لمساءلة موقع الفنانين والأفراد تجاه التمثّلات العديدة لهذه الآفة. تعرّف «زقاق» عملها بأنّه «بينما أغلبية مواطني الشمال خائفة من التنوّع الحضاري، تقترع لليمين في الانتخابات، وتنحاز إلى السياسات الإقصائية، «أملاً» بأن تكون في مأمن من «الآخر»، والجنوب ممزّق بالحروب والموت وانهيار البنى التحتية واندثار ثقافات كاملة فيما السماسرة العقاريون يتحيّنون الفرصة للانقضاض في اللحظة المواتية (...)، نسأل أنفسنا: كيف يمكننا كصنّاع مسرحيين التموضع وسط فجور هذه الانتهازية السياسية؟».

يقول توفيق الحكيم في مقدمة أحد مؤلفاته: «إن المسرحية كونٌ، والإنسان واقف فيه، يتكلم، يحاور يسأل، ويُجاب، أو يريد أن يُجاب». لطالما طرحت فرقة «زقاق» المسرحية، العديد من الأسئلة حول الجندر والمرأة والدين والسلطة والموت والخلود والعنف وغيرها. ها هي تعود اليوم في عرض I Hate Theater, I Love Pornography، محاولةً الإجابة عن أسئلة تتعلّق بأشكال الفساد، وموقع الفنانين في مواجهة تجلياته، من خلال تسليط الضوء على القيمة التي يتم إعطاؤها للأجساد، وخلق التوازن بين الجسد المسرحي والإباحي والجسد الميت.
يتذكر العاملون في المجال المسرحي اللبناني، حجم الدعم والأموال التي تلقاها الفنانون المسرحيون السوريون مع بداية الأزمة في بلدهم. جاء التمويل من كل حدب وصوب، من جهات دولية، وهيئات، ومنظمات حكومية وغير حكومية. في ذلك الوقت من عام 2013، أتت فكرة إقامة عرض مسرحي من قبل أعضاء فرقة «زقاق»: «لماذا لا نسلّط الضوء على ما يقوم به بعضُ الفنانين اللبنانيين الذين يركبون موجة الأزمة السورية والتقرب من المسرحيين السوريين، بغية الحصول على التمويل والدعم؟». شكلت هذه الفكرة محور العرض المسرحي «أكره المسرح، أحبّ البورنوغرافيا» (50 د)، مستنداً إلى مواضيع من مسرحيتَي الكاتب النرويجي هنريك إبسن «عدو الشعب» و«أعمدة المجتمع». العرض تم تقديمه في بلدان عديدة أبرزها النرويج والهند وأميركا كما في لبنان. اليوم، عاد العرض (إخراج: عمر أبي عازار) إلى خشبة «مسرح المدينة» على مدى ثلاث ليالٍ متتالية بدءاً من الأمس.
يؤكد أبي عازار أن العودة إلى المسرح، تشكل تحدّياً في هذه الظروف الصعبة على الصعد كافة، لكن المساحة المشتركة التي يقدمها المسرح، هي أحوج ما نكون إليه، لطرح التساؤلات والإجابات، وتحفيز الجمهور على تلقي الأفكار. «يختلف الخطاب في المسرح عن الإعلام. كل ما في نظر شعوب دول الشمال عن شعوب دول الجنوب هو أننا وحوش قاتلة وفق ما يقدمه الإعلام». لذا، يلعب العرض المسرحي هذا، دوراً كبيراً في إيضاح مفاهيم حول التوجّس والخوف من التعدد الثقافي.
المسرح في «زقاق» يقوم على الفكرة التشاركية، لا الهرمية بين الأعضاء. في هذا العرض، عمِل أبي عازار على فكرة المسرح التجريبي الذي يقوم على الطقوس والإيقاعات والحركة. يقدم العرض في خانة «البريختية» المسرحية، أي كسر الحاجر الرابع مع الجمهور وجعل المتلقي يحلل فكرياً وعاطفياً. العمل من إعداد وتمثيل لميا أبي عازار، جنيد سري الدين، زياد شكرون، هاشم عدنان، خضر عليق ومايا زبيب.


ربما صوبت السهام باتجاه فرقة «زقاق» بأنها تتلقى تمويلاً كبيراً من الدول الغربية، بغية تعزيز مفاهيم الحريات والجندرية والحقوق الأخرى التي تتعطش إليها المنطقة. لكنّ القيمين على الفرقة يؤكدون أن أجندتهم خُلقت وتم وضعها قبل تلقي أي تمويل خارجي، «نحن نعمل كثيراً، نعمل جاهدين لخلق مساحات مشتركة. هذا العرض يقوم على نقد المشاريع المسرحية التي تُخلق فقط بغية الحصول على تمويل من الخارج، فكيف لنا أن ننتقد ذلك ونقوم به» يتساءل مخرج العرض.
لم تكتفِ الفرقة المسرحية اللبنانية التي أنشئت في عام 2006، بعرض المسرحيات فحسب. يكثف أعضاء الفرقة الجولات الإذاعية، يعملون على توسيع آفاق المسرح في لبنان. تصل الفرقة إلى الهوامش والأطراف، وتعتني بالنازحين ليس في لبنان فحسب، بل أيضاً في مخيمات اللاجئين في كاليه، فرنسا وفي صربيا. تعمل الفرقة تحديداً منذ ثلاثة عشر عاماً مع المجتمعات والفئات المهمشة، بتطبيق المسرح في التدخلات على المستويات كافة. تعددت اتجاهات الفرقة حدود العالم، وبذلك يكون جمهور «زقاق» من خلفيات متعددة، يقول أبي عازار: «كلما بعدت البحار بيننا وبينهم، كلما انشدّت عيونهم أكثر فأكثر».
لطالما شكل الشرق بفنونه محطّ أنظار الغرب، استقبل عبر السنوات على مسارحه الفرق المسرحية الآتية من مختلف الدول الشرق أوسطية. دوافع كثيرة جعلت من المنظمات والهيئات التي تعنى بالمسرح تمول الفرق المسرحية في لبنان كما في سوريا، في الوقت الذي ركب عدد من المنتجين هذه الموجة، واستغلّوا التمويل بغية الحصول على المال، هذا لبّ عرض فرقة «زقاق» بحسب ما يؤكد مخرج العمل.
عمِل عمر أبي عازار على فكرة المسرح التجريبي الذي يقوم على الطقوس والإيقاعات والحركة


في هذا الصدد، يمكن الاجتهاد والقول إن علاقة الشمال بالجنوب هي علاقة «مازوشية»، يحلو للمجتمع الغربي ممارستها على شعوب المنطقة العربية خاصةً، وتصل شعوب الدول المتقدمة حد النشوة عند إظهار خبايا أنظمتنا الاجتماعية والسياسية على المسرح. قد يستمتع الجمهور في شمال الكرة الأرضية، برؤية أوجاعنا، ماضينا، تاريخنا، حروبنا.... وقد يحلو للغرب -أو الشمال كما يحب أعضاء الفرقة تسميته، بأن نظهر فساد أنظمتنا أمام جماهيريه. ما سر هذه العلاقة السادية التي تجمع الشمال بالجنوب؟ ولماذا ينحو الفنانون المسرحيون في لبنان بهذا الاتجاه؟ قد تكون الإجابة عن هذا السؤال هو الفساد المستشري فينا. إذ إن أنظمتنا تستحق كل هذا الجلد، وكل هذا النقد، فيما لم تحرك ساكناً إزاء الموت والظلم الذي تعيشه الشعوب. وكأن الفنانين في بلادنا يقولون: يمكننا أن نتعرى أمامكم، ونظهر لكم كل عيوبنا، مقابل شيء واحد، أعطونا المال. تروق للشمال رؤية سقوطنا الأخلاقي وفسادنا وأجسادنا المتهاوية، في الوقت الذي يظلون فيه منجذبين إلى جماليات وفنون منطقتنا.
إشكالية تطرحها «زقاق» عن علاقة الشعوب، والتعدد الثقافي الذي يقود إلى إقصاء الآخر، وإزاحة ثقافات أخرى ترزح تحت نير قيادات فاسدة. «إن روح الصدق وروح الحرية هما أعمدة المجتمع» هكذا تختتم لونا مسرحية «أعمدة المجتمع» من نص إبسن الذي يستند إليه عرض I Hate Theater, I love Pornography. فأي صدق وأي حرية ستقدمها فرقة «زقاق» في العرض البيروتي؟ تتعدد وجهات النظر، ليبقى المسرح مساحة مشتركة للتلاقي بين كل الشعوب.

* عرض I Hate Theater, I love Pornography: الثامنة مساء اليوم وغداً ــــ «مسرح المدينة» ــ البطاقات عبر «إحجز».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا