لا تعرف نضال الأشقر اليأس أو السكون. فالتحدّي لطالما كان السمة المرافقة لها طوال حياتها، لا سيّما في مشوارها ضمن «مسرح المدينة». مشاكل وعقبات لا تُعدّ ولا تُحصى في لبنان والمنطقة، لم تستطِع كسر إرادة وعزيمة «سيّدة المسرح اللبناني». من هذا المُنطلق، وفي محاولة منها لفكّ «نحس» عام 2020، أعاد الفضاء البيروتي فتح أبوابه في الصيف الماضي عن طريق سهرة مجانية، أشبه بـ «هيصة»، جمعت مروحة واسعة من الفنانين اللبنانيين. حفلة كان يفترض أن تكون مقدّمة لسلسلة من العروض والأحداث الفنية والمسرحية التي سيشهدها «مسرح المدينة»، تزامناً مع حملة جمع تبرّعات لمساعدته على الحياة. غير أنّ تطوّرات جائحة كورونا أجهضت الخطط وحالت دون تنفيذ البرنامج. رغم سوداوية الأوضاع التي يرزح تحتها اللبنانيون، بدءاً من الواقع الاقتصادي والاجتماعي المتردّي مروراً بتأثيرات الأزمة الصحية العالمية وليس انتهاءً بتداعيات تفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب (أغسطس) الماضي، لا يزال «مسرح المدينة» مصرّاً على البقاء. بناءً على هذه القاعدة، احتضن الشهر الماضي ورشة عمل بعنوان The Laboratory Spirit (بتمويل من «الصندوق العربي للثقافة والفنون» (آفاق) والسفارة الدنماركية في لبنان) عبر تقنية البثّ المباشر من مسرح Odin Teatret الذي أسّسه الإيطالي إيوجينيو باربا (1936) في هولستبرو في الدنمارك. وأمس الاثنين، انطلقت في «مسرح المدينة» سلسلة ورشات جديدة بعنوان «برلين ــ بيروت: محاضرات حيّة حول المسرح وفنون الأداء»، مخصّصة لصنّاع المسرح والطلاب، ومتاحة للعامة على يوتيوب، فيما تجري بالتعاون مع «معهد غوته». البداية، كانت مع الكاتبة والمخرجة الألمانية هيلغارد هاوغ، المؤسسة المشاركة لفرقة Rimini Protokoll المسرحية في برلين.

أما اليوم الثلاثاء، فسيكون المشاركون على موعد مع المخرجة سوزان كينيدي التي تستجيب لتوازن القوى الجديد بين الأجسام والعناصر التقنية والآلات، بجماليات تتجاوز الإنسان. في أعمالها، يواجه الممثلون الجمهور بشخصيات ما بعد إنسانية، مشوّهون بأقنعة وحوارات في الخلفية ووسائط متعدّدة. بين الساعة الحادية عشرة صباحاً والواحدة ظهراً، سيتم تقديم مواد مصوّرة عن مسرحيتَي Drei Schwestern وUltraworld، بالإضافة إلى نقاش مع المشاركين. وبين الثانية والثالثة بعد الظهر، تُلقي كينيدي محاضرة حول هاتين المسرحيتين وأسلوب عملها عموماً، قبل أن تخوض نقاشاً مع المشاركين.
طوماس أوسترماير، سيكون نجم اليوم الأخير. غداً الأربعاء، يسلّط المخرج المسرحي والمدير الفني لمسرح Schaubühne في برلين، الضوء على تجربته كمخرج مستنداً إلى مسرحية An Enemy of the People. بين الحادية عشرة صباحاً والثانية عشرة ظهراً، يطّلع المشاركون على تفاصيل موثّقة عن جولة المسرحية، تعقبها محاضرة ونقاش حول العمل (بين س: 12:00 و13:00)، قبل أن يحين موعد النقاش مع الطلاب والفنان اللبناني ربيع مروّة الذي ساهم في إنجاح هذا الحدث البيروتي ككل.
في اتّصال مع «الأخبار» من منزلها الجديد في قريتها ديك المحدي (قضاء المتن)، تشدّد نضال الأشقر على أنّ لا خيار أمامنا سوى الاستمرار من أجل الخروج من هذا النفق المظلم.
«أعتبر أنّ «مسرح المدينة» يعدّ اليوم نافذة على العالم، بعدما كان نافذة على بيروت والعالم العربي... من المهمّ بالنسبة لنا كمثقفين وفنانين وقائمين على فضاء حرّ التواصل مع رجالات وسيّدات المسرح من أصدقائنا حول العالم، كي نتمكّن من إبقاء الفنانين الشباب في لبنان على تواصل مع أشخاص على قدرٍ عالٍ من الاحترافية، بما أنّنا وصلنا إلى الحضيض في هذه البلاد»، تقول ابنة المناضل أسد الأشقر. ثم توضح أنّ الهدف من كلّ هذا هو حثّ الشباب على استعادة الأمل إلى جانب تحصيل العلم والمعرفة.
أما عن تسخير العالم الافتراضي كمنصّة أو قوّة لدعم المسرح الواقعي في العالم كله، فترى نضال الأشقر أنّه من الضروري التأقلم، لأنّنا سنواجه حتماً في المستقبل أموراً أسوأ: «عشت خسارة فلسطين واحتلالها، واحتلال العراق وخرابه، والحرب الأهلية اللبنانية والحروب الإسرائيلية على بلادي، والربيع العربي وغيرها، وأتوقّع الأسوأ... مرغمون على التأقلم وأن تظل هناك بذور خير وإبداع في مجتمعنا. فالمبدعون وحدهم قادرون على إنقاذ هذا الوطن».
برأي «زنوبيا»، لا خيار أمامنا سوى الصمود وخلق أفكار جديدة في سبيل الاستمرار. وهي تشدّد على أنّ ما تفعله يرمي إلى القول للعالم إنّنا موجودون ولن يستطيع أحد محونا، ولنقول للشباب إنّه «مهما حدث، نحن باقون... والأهم بالنسبة إلي أن تستطيع المسارح الأخرى الصمود أيضاً... فهذه معركة بقاء».
تؤكّد نضال الأشقر حالياً أنّ التنسيق جارٍ حالياً مع دِكلان دونالان من فرقة Cheek by Jowl الإنكليزية الشهيرة، لتقديم محاضرة وخوض نقاش مع عدد محدود من المسرحيين المحترفين في نهاية شهر كانون الثاني (يناير) المقبل. كما يتم التخطيط أيضاً للتعاون في المرحلة المقبلة مع فنانين من إسبانيا ومصر وسوريا وتونس والعراق، «على أمل أن نستطيع توسيع النطاق قدر المستطاع». مع العلم بأنّ «مسرح المدينة» سيواصل استقبال الأنشطة المنوّعة مع مراعاة الإجراءات الضرورية للوقاية من فيروس كورونا.

* «برلين ــ بيروت: محاضرات حية حول المسرح وفنون الأداء»: لغاية 9 كانون الأوّل (ديسمبر) الحالي ــ بدءاً من الساعة الحادية عشرة صباحاً ــ «مسرح المدينة» (الحمرا ــ بيروت). للاستعلام: 01/753010

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا