في 27 آذار (مارس) من ربيع عام 1996، اعتلى المسرحي السوري الراحل سعد الله ونّوس منبر أحد المسارح في دمشق، مرتدياً شالاً وقبّعة من الصوف تخفي آثار مرض السرطان الذي فتك بجسده، وألقى كلمة يوم المسرح العالمي. يومها، قال في ختامها عبارته الشهيرة «إننا محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ». في ظلّ ما يعانيه لبنان اليوم من أمراض تنخر جسده على كل المستويات، أخذ الكثير من العاملين في المسرح على عاتقهم مقاومة التحديات؛ من بينهم الكاتبة والمخرجة والممثلة اللبنانية بيتي توتل. الأخيرة قررت أن تعتلي مسرح «دوار الشمس» في بيروت، متخذةً من أروقة المستشفيات وما يحدث فيها من فضائح حبكةً لعملها المسرحي الجديد «كولوار الفرج». فأيّ أمل تحمله هذه المسرحية التي تحكي عن مرارة المستشفيات والأنظمة والفساد المستشري فيها؟

على مدى العروض السابقة، استطاعت بيتي أن تملأ كراسي مسرح «دوار الشمس»، التي تزيد على ثلاثمئة مقعد، وستستمر في تقديم عروضها من الخميس إلى الأحد. «كولوار الفرج» (كتابة وإخراج بيتي توتل)، نص واقعي ينتمي إلى «التراجيكوميديا»، تتقاطع فيه أنواع كوميدية ثلاثة: كوميديا الكاركتير، كوميديا الموقف والكوميديا السوداء. تعود مخرجة العمل إلى الخشبة، وتقول: «تأقلمنا وبتنا معتادين على ما يحصل، فأنا أثور على طريقتي الخاصة، وأناضل من خلال عملي في المسرح». مرد ذلك أن عرض مسرحية «كولوار الفرج» كان مقرراً قبل ثورة 17 تشرين، ولكن نتيجة التطورات قررت توتل تأجيل العرض. لكن فكرة المسرحية التي تجسّد الفساد المستشري في «سيستيم» مستشفى «الفرج»، تقاطعت مع أفكار الثورة...
الدافع الأساسي لطرح هذا الموضوع كان تجربة شخصية عاشتها بيتي مع أمها في أحد المستشفيات منذ مدة، فجسدت كل القصص التي خبرتها في المستشفيات من أخطاء طبية، إلى نهب أموال المرضى عن طريق شركات التأمين وغيرها من معاناة الناس وهمومهم اليومية والمعيشية والعائلية الخاصة في نص مسرحي.
«السيستيم واقف بالمستشفى متل هالبلد»، عبارة نسمعها طوال المسرحية من دون أن نعلم ما هو هذا «السيستيم». أتت المسرحية نموذجاً مصغراً عن كل ما نعيشه في البلد: غياب مدير المستشفى الدكتور فرج، وإيلاء الموظفين مهمات متابعة المرضى. مقاربة تحكي غياب السلطة في لبنان، ووضعها في الواجهة أشخاصاً تنفيذيين. مع هذا، قررت توتل اعتماد الدبلوماسية وعدم «جلد» المستشفيات وتعريتها إلى أقصى الحدود، إيماناً منها بإنسانية تحكم البعض.
تعتمد بيتي في كتابة النصوص والكاستينغ أسلوباً خاصاً ليس مألوفاً لدى بعضهم. فكتابة مشاهد المسرحية تبدأ مع اختيار الممثل الذي سيقوم بأدائها. يطّلع الممثل على مراحل كتابة السيناريو، ويسهم في خلق ملامح الشخصية، ما يحفزه ليكون فعالاً، ويحقّ له أن يترك اسمه الحقيقي. عند البروفات المكثفة، يبدأ نحت معالم الشخصية على المستوى الجسدي والنفسي، ليصل إلى مرحلة ابتداع شخصية جديدة، وبذلك تكون عملية الكتابة أشبه بـ«بازل» يتم تركيبها تباعاً، ضمن منهج أكاديمي وعلمي تعتمده توتل في عملها الجامعي.
«إن شخصيات هذه المسرحية مستوحاة من نسج الخيال في بلاد تتأرجح بين العبثية والخيالية، وكل من يعتبر نفسه معنياً بها، «بكون في تحت باطو مسلّة»». مع هذه العبارة، يرفع ستار المسرحية وتظهر شخصيات العمل الأربع عشرة، منهم: طالب السينما، المرأة غير المتزوجة، أستاذة الجامعة، الممرضة، عاملة شركة التأمين، الختيار، وسواهم... يلتقون في المستشفى وتنشأ علاقات إنسانية بينهم، فيشكلون أداة ضغطٍ على السلطات القائمة، للخروج من هذا النفق المظلم الذي جعلهم ضحية «سيستيم» متوقف. يفعلون ذلك عبر تسجيل فيديو فضائحي للمستشفى، والظهور لاحقاً عبر الإعلام في شريط مصور يعرض في المسرحية، مع الإعلاميين: ريما كركي وزافين قيومجيان، لتحصيل حقوقهم ورفع الدعاوى على مستشفى «الفرج»، في إطار حبكة كوميدية متقنة.
المسرحية تضم عدداً من نجوم الكوميديا: جورج دياب، طوني مهنا وهشام خداج، لكن الأداء اللافت كان للمى مرعشلي التي وصلت إلى مرحلة الإبداع في شخصية الممرضة، تميزت بخفة الظل وروح الدعابة، وبالتالي يمكن اعتبارها «بونبونة العمل». كان لافتاً من الممثلين، عبير صياح التي نجحت في إتقان دور مندوبة شركة التأمين في المستشفيات. ولا ننسى حرفية الممثلين القديرين جورج دياب وطوني مهنا، فيما أتى أداء البعض خافتاً، ثقيلاً، غير مسلٍ، وليس فيه أي لعب مسرحي وخاصة جوقة الممرضين الشباب. تقول بيتي في هذا الإطار إنها تصرّ على إشراك الطلاب في مسرحياتها، رغم أنها تواجه معهم معضلة أدائهم التلفزيوني لأنهم يميلون ويطمحون إلى هذا النوع التمثيلي.

ثلاثة أنواع كوميدية تتقاطع في العرض: كوميديا الكاركتير، كوميديا الموقف والكوميديا السوداء


صوّرت بيتي الحياة في هذه المسرحية ضمن إطار الواقعية، فاتّسمت بـ«الإخراج الواقعي». في ما يخصّ سينوغرافيا المسرحية، أتى الديكور غير رمزي، صوّر الحياة تصويراً فوتوغرافياً لـ«كولوار» المستشفى الذي يتّسع مداه في بعض الأحيان، ويضيق في أحيان أخرى، تماشياً مع أداء الشخصية في عمقها أو سطحيتها. من هنا، ننطلق للحديث عن أن المسرحية ذات نمط سينمائي، حتى إنّ مخرجة العمل أقحمت السينما انطلاقاً من حبها لها. تقول: «دمجت السوشال ميديا والإعلام والسينما لأنّها صارت جزءاً من حياتنا ولم يعد بإمكاننا التغاضي عنها»، فتم عرض شرائط مصورة مع الإعلاميين كركي وقيومجيان، حملت الكثير من الرسائل السياسية التي تذمّ السلطة وعمل المستشفيات. حملت المسرحية تناقضات بين الموت والحياة. تقول بيتي: «إذا ما في فرج وفرح في أنفسنا لا يمكننا أن نعمل، فمن واجبات من يعمل في المسرح أن يبثهما للجمهور رغم ضبابية المشهد». مسرحية «كولوار الفرج» تأتي في وقت عصيب يمر به لبنان، لكنها تشكّل مساحة تأمّل في الوضع الراهن، ليطرح المتفرج على نفسه سؤالاً: هل أتمسك بالأمل والفرج، أم أن النظام أو «السيستيم» سيبقى على ما هو عليه؟ تجيب بيتي من خلال عملها «إننا فعلاً محكومون بالأمل».

* «كولوار الفرج»: 20:30 مساء من الخميس حتى الأحد ـــ مسرح «دوار الشمس» (الطيونة ـــ بيروت) ـــ للاستعلام: 03/248978