من قلب «الظلام الدامس الذي لا بصيص نور فيه» ومن أجل مقارعة «هؤلاء القابعين في الزوايا المظلمة»، أعلنت نضال الأشقر بهذه الكلمات، انطلاق الدورة الثانية لـ«مهرجان المسرح الأوروبي في لبنان». من مسرح «المدينة» البيروتي، أطّرت «سيدة المسرح اللبناني»، كما تُلقّب، الاحتفالية المرتقبة بمكانها وزمانها، فأرادتها تعبيراً صارخاً عن التغلب على الواقع السوداوي الذي يشتدّ قتامةً يوماً بعد يوم على مستويات عدة. لم تخفِ الأشقر أنها تقصد تحديداً في كلمتها التي عكست رؤيتها المتشائمة جزئياً إلى الواقع المحلي، مناخ القمع والتسكيت الذي تشهده البلاد في الآونة الأخيرة، لا سيما على صعيد حرية الفنّ والتعبير.

خلال المؤتمر الصحافي الذي عقدته أمس بالاشتراك مع السفير الجديد للاتحاد الأوروبي في لبنان، رالف طراف، لم تكن الأشقر مواربةً على الإطلاق، بل سمّت الأشياء بأسمائها. قالت إنها تقصد بـ«الظلام الدامس» أحداث القمع الأخيرة، وخصوصاً منع «مشروع ليلى» من المشاركة في مهرجانات جبيل، إثر الحملة التي اشتركت فيها السلطات الدينية مع تلك الأمنية ضد الفرقة الشهيرة.
وبحماسةٍ وخفة دم كعادتها، وعدت الأشقر الجمهور اللبناني بتظاهرةٍ فنية تعيده إلى المسرح، وتنفخ الحياة مجدداً في الخشبة البيروتية، على مدار 16 يوماً في إطار المهرجان الذي يشهده «المدينة» للسنة الثانية على التوالي، مع عرضٍ وحيد خارج بيروت تشهده طرابلس. وتُفتتح هذه الدورة يوم الجمعة 27 أيلول مع المسرحية الفرنسية «مكان» (إخراج تمارا السعدي) بالتعاون مع المعهد الفرنسي في لبنان، في ليلةٍ ستكون مقتصرة على الصحافة ومتلقّي الدعوات، قبل أن تنطلق العروض الجماهيرية في الثامن والعشرين من الشهر الجاري.
المهرجان الأوروبي الوحيد للمسرح في العالم العربي والشرق الأوسط، يضمّ هذا العام عروضاً ومحترفات وجلسات حوارية ومعارض، بالإضافة إلى معرض لفن الملصقات البولندية يستمر طوال فترة المهرجان. ومن 27 أيلول (سبتمبر) حتى 12 تشرين الأول (أكتوبر)، سيكون محبو المسرح على موعد مع مسرحيات أوروبية، بالإضافة إلى مسرحيتين لمخرجين لبنانيين («الزفاف» و«صفحة 7»).
بمشاركة كل من بلجيكا، والدنمارك، وفرنسا، وإيرلندا، وإيطاليا، وألمانيا، وبولندا، وإسبانيا، ورومانيا، ستتمحور المسرحيات في هذه الدورة حول قضايا راهنة، مثل سؤال الهوية، الهجرة والتعددية الاجتماعية.
يحضر في هذه الدورة التي يشترك فيها 60 فناناً وفنانة من أوروبا طيفا بريخت ولوركا الذي اختار المنظمون مقولته «وطنٌ لا يساعد مسرحه ولا يروج له، إذا لم يكن ميتاً بالفعل، فهو آخذٌ بالموت» في كتيّب المهرجان. يتمثل ذلك في عرضين هما «A vueltas con Lorca» الذي يضم مقتطفات من بعض أعمال الشاعر الإسباني الشهير مثل «برناردا»، «عرس الدم»، «يرما»، وغيرها. وتشارك في هذا العمل مجموعة من الشباب اللبنانيين، السوريين والفلسطينيين. أما بريخت، فيحضر في مسرحية «الزفاف» ( 11/10 ــ 12/10 ـــ 20:30) من إخراج اللبنانية كارولين حاتم بمشاركة ممثلين لبنانيين مثل محمد عقيل ويارا أبو حيدر وغيرهما.

مسرحيات أوروبية وعرضان لبنانيان ومحترفات وجلسات حوارية ومعارض


عروضٌ أخرى مثل «دانماركيون حقيقيون» (29/09 ــــ 12:00 و20:30) تتطرق إلى مآزق الفرد وهمومه المشروطة بحيّز وجوده، فتجيب على سؤال «ماذا يعني أن تكون شاباً في الدنمارك؟» عبر استعراض شهادات لشباب عاشوا في هذا البلد. أما في «شجرة الزيتون» الإيرلندية (05/10 ـــ 20:30)، فإننا سنشاهد رحلةً من سوبر ماركت في العاصمة الإيرلندية دبلن، إلى فلسطين، تروي سيرة بلدٍ محتل، عبر رمزية شجرة الزيتون. كذلك، سنكون على موعد مع مسرحية «صفحة 7» (01/10 ـــ 20:30) للمخرج عصام أبو خالد التي يعرفها جزء كبير من الجمهور البيروتي، وهي كوميديا سوداء تدور حول متشرّدَيْن (أبو خالد وفادي أبي سمرا) يقتاتان من موائد العزاء. علماً أنّها عُرضت قبلاً في بيروت. أما ورشات العمل التي ستقام في أماكن متفرقة من المدينة، منها المخيمات الفلسطينية، فتتعدد موضوعاتها بين: الدراماتورجيا، والسينوغرافيا، والتقنيات السردية، وتصميم الدمى المسرحية.
إلى ذلك، أكدت الأشقر أن المهرجان حرص على خفض أسعار البطاقات (5000 ليرة للطلاب) التي تُمكّن الحاصلين عليها من مشاهدة كل العروض من 28 أيلول حتى 12 تشرين الأول. كما أن غالبية المحترفات ستكون مجانية ومتاحة للجميع. وفي معرض حديثها عن الرقابة والرقيب، تضع الأشقر القامع في وجه الفنان، في معركةٍ تعنيها منذ سنوات طويلة. إذ تقول إن الذين يمارسون القمع والمنع «لا حلم لهم» في الوقت الذي «يحلم فيه الفنانون والمبدعون، الشعراء والفلاسفة، بحياةٍ ومجتمع أفضل». الحلّ بالنسبة للممثلة والمخرجة القديرة يكمن في «اللعب». فهذا اللعب هو ما يجعلنا، مثل الأطفال، «نركّب طائرة ورقية، ونتخيّل أن الهواء نظيف والبحر نظيف». يبدو اللعب ـ وفق الأشقر ـ الحلّ الأمثل «للبقاء على قيد الحياة». وفي هذا السياق، تلفت إلى أن المهرجان هو أحدث التجارب التي تريد من خلالها إثبات «أننا مستمرون» وأن كلّ تلك الأحداث لن تمنعها مع فنانين ومبدعين آخرين من مواصلة المسيرة، من «بناء الجسور مع الآخر»، ومن «الحلم».

* «مهرجان المسرح الأوروبي في لبنان»: بدءاً من 27 أيلول (سبتمبر) حتى 12 تشرين الأول (أكتوبر) ـــ «مسرح المدينة» (الحمرا) ـ للاستعلام: 01/753010