لم يعُد خافياً على أحد في هذا العالم، احتدام الصراع التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين. المنافسة على أشدّها بين البلدين صاحبَي أكبر اقتصادين في العالم على قيادة الكوكب من بوابة التكنولوجيا.


وقد بلغ قلق واشنطن من تطوّر الشركات الصينية إلى حدّ أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكّد تصريحات وزير خارجيته، مايك بومبيو، حول إمكانية حظر تطبيق «تيك توك» الصيني، فيما تمهّد الإدارة الأميركية الطريق أمام احتمال فرض عقوبات ماليّة أميركية جديدة على شركات صينية كبرى، مِن بينها مجموعة الاتّصالات العملاقة «هواوي»، وشركة «هيكفيجن» لصناعة كاميرات المراقبة، بحجّة أنها «مملوكة أو خاضعة لسيطرة» الجيش الصيني.

لكن الصين تسعى للريادة غير آبهة بالضغوط الأميركية ، وتتّجه بخطى ثابتة نحو الاستغناء عن التكنولوجيا الأميركية، منذ إعلان الحكومة الصينية في كانون الأول الماضي خطة لتبديل كلّ أجهزة الحواسيب والبرامج الخاصّة بها، من المكاتب الحكومية وجميع المؤسّسات العامة، بأجهزة حاسوب وبرامج محلّية الصنع.

في التالي أربعة عناوين للصراع الصيني - الأميركي على تزعّم عالم التكنولوجيا.

تكنولوجيا الجيل الخامس

لجوء الولايات المتحدة إلى اتّهام شركة هواوي باستخدام تكنولوجيا الجيل الخامس للاتّصالات اللاسلكية (5G) للتجسّس على العالم يعبّر عن مدى قلق الولايات المتحدة من التفوّق الصيني في هذا المجال.

بعض الشركات الضخمة مثل كوالكوم وإيريكسون ونوكيا توصّلت إلى تقنية الـ5G، ولكن منتجاتها تبقى أقلّ جودة من منتجات هواوي. وفي الوقت نفسه، فإنّ معدات هواوي أقلّ كلفة، بفرق نسبته تتراوح بين 20% إلى 30%.

الولايات المتحدة خسرت سباق الـ5G بعدما كانت رائدة في تكنولوجيا الاتصالات اللاسلكية السابقة 3G و4G. وخسارة شركة كوالكوم الأميركية التي كانت تستحوذ على غالبية براءات الاختراع في هذا المجال، لريادتها، ستدفع كبرى شركات تصنيع الهواتف في العالم لإنفاق مليارات الدولارات على تكنولوجيا شركة هواوي الصينية.

كما أنّ الشركات الصينية أصبحت قادرة على تصنيع هواتفها واستخدام شرائح اتّصال 5G فائقة التطور من دون أن تكون بحاجة إلى أيّ تكنولوجيا أميركية. خوف الولايات المتّحدة من خسارة دورها الرائد في تكنولوجيا الاتصالات دفع ترامب للقيام بحملة على «هواوي»، هدفها نسف مصداقية الشركة وترهيب دول العالم التي تريد استخدام معدّات الجيل الخامس من الشركة.

يكفي أن تعرف أنّ قيمة الأعمال المرتبطة بتكنولوجيا الـ5G في بريطانيا خلال العقد القادم تُقدّر بـ194 مليار دولار، حسب تقرير جديد لشركة «فودافون» كي تفهم التحذيرات الأميركية للحكومة البريطانية من «مخاطر التعامل مع هواوي».

وتقدّر شركة كوالكوم أنّ النشاطات المرتبطة بالـ5G ستنتج حوالى 3.6 تريليونات دولار وتؤمّن 22.3 مليون وظيفة بحلول عام 2035.

وتعمل الصين على استثمار تفوقها في مجال الـ5G لتطوير الذكاء الاصطناعي واستكمال إنشاء البنية التحتية لإنترنت الأشياء (IoT)، التي ستراوح قيمتها بين 3.9 تريليونات دولار و11.1 تريليون دولار بحلول عام 2025، حسب مجلة «ذي إيكونوميست» (The Economist).

الحواسيب والبرامج

أواخر عام 2019، أعلنت الحكومة الصينية خطة لتبديل كلّ أجهزة الحواسيب والبرامج الخاصّة بها من المكاتب الحكومية ومن جميع المؤسسات العامة، بأجهزة حاسوب وبرامج مصنوعة في الصين من أَلفها إلى يائها.

القرار سيُنفذ على ثلاث سنوات، تبديل ما نسبته 30 في المئة من مجمل الأجهزة في عام 2020، 50 في المئة في عام 2021 و20 في المئة في عام 2022.

علماً أن هذه أول خطوة معلَنة تقوم بها الحكومة الصينية ضدّ مصالح الولايات المتّحدة الأميركية، إذ أنّ قرار كهذا يصيب شركات مثل «HP»، «DELL» و«Microsoft» بشكل أساسي.

حتى أجهزة حواسيب «Lenovo»، التي يتمّ تصنيعها في الصين، ستتأثر بهذا القرار، إذ أنّ القطع الأساسية في هذه الأجهزة مثل وحدة المعالجة المركزية «CPU»، يتمّ جلبها من الولايات المتحدة الأميركية.

ولكن جوهر القرار، هو تحفيز القطاع الخاص للبدء بعملية نهضة كبيرة في قطاع تصنيع الشرائح الإلكترونية والبرامج، لا نتحدث هنا عن مجرّد برامج جديدة، بل عن نظام تشغيل وكل ما يعنيه ذلك بدءاً من برامج الطباعة وصولاً إلى احتياجات السوق كافة.

وبهذا، تكون جمهورية الصين الشعبية قد بدأت عملية الخروج والاستغناء عن تكنولوجيا الولايات المتحدة في ما يخصّ هذا الشأن.

الأقمار الاصطناعية الخاصّة بتحديد المواقع الجغرافية

سيطرت الولايات المتحدة الأميركية لعقودٍ مضت على تكنولوجيا تحديد المواقع، وذلك عبر سِرب الأقمار الاصطناعية الخاص بها والمعروف بـ «GPS»، وهو سرب يديره جيش الولايات المتحدة، وكان بمثابة العمود الفقري لكلّ الأجهزة الإلكترونية على الكوكب.

نتحدّث هنا عن غالبية الهواتف الذكية وأجهزة تحديد المواقع الخاصّة بالسيارات والسفن والطائرات وكلّ ما يحتاج لتقنية تحديد الموقع الجغرافي.

وصحيح أنّ هناك أقماراً اصطناعية أخرى تؤمّن هذه الحاجة، مثل «غلوناس» الروسي و«غاليلو» التابع للاتحاد الأوروبي، إلّا أنها أقل قدرة من GPS، لذا، كانوا في أغلب الأحيان يساهمون مع GPS لتحسين عملية تحديد المواقع.

أطلقت الصين نهاية الشهر الماضي، آخر الأقمار الاصطناعية الخاصة بنظام «بيدو»، بعد استثمار امتدّ نحو 20 عاماً وكلف 10 مليارات دولار.

وهنا أيضاً، أصبحت الصين مستقلّة عن التكنولوجيا الأميركية، وبات يمكن لكل الأجهزة الذكية في هذه العالم أن تستخدم بيدو لتحديد موقعها الجغرافي، بشكل مستقل عن GPS.

تيك توك

يكفي أن تنظر إلى أرقام تيك توك كي تعلم أسباب انشغال ترامب وبومبيو به: التطبيق، الذي انطلق أواخر عام 2016 داخل الصين، وخرج الى العالم في العام 2018، استقطب أكثر من 800 مليون مستخدم ناشط، وقد تم تحميله أكثر من ملياري مرة خلال النصف الأول من عام 2020.

قرابة نصف مستخدمي تيك توك هُم من شريحة المراهقين. في الولايات المتحدة، وحده إنستاغرام يتخطّى تيك توك بنسبة مستخدميه من الأطفال (20 في المئة) إذ يستخدم ما نسبته 17 في المئة من الأطفال تيك توك، أكثر من سنابشات (16 في المئة) وفيسبوك (14 في المئة).

وترى الولايات المتحدة في صعود تيك توك خطراً استراتيجياً عليها، إذ إن وسائل التواصل لديها القدرة على جمع بيانات مستخدميها وتخزينها وتحليلها واستخدامها لمعرفة الكثير عن تفضيلات الناس وتوجهاتهم السياسية وآرائهم الاجتماعية ومنتجاتهم المفضلة.