في العلن، قالوا إنها حربٌ تجارية، تقودها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على جمهورية الصين الشعبية. ولكن، في الخفاء، تُعدّ الصين نفسها لمواجهة فصل جديد من المنافسة بينها وبين الولايات المتحدة على التفوّق التكنولوجي.


هذه المنافسة تتّخذ أشكالاً متعددة: مَن الأقدر بين البلدين على بناء منظومة الاتصال اللاسلكي من الجيل الخامس؟ مَن بينهما يستطيع أن يطوّر الذكاء الاصطناعي ويستفيد منه أكثر في الصناعات؟ وأيّ من البلدين يستطيع أن يعتمد، في صناعة الأجهزة الذكية والحواسيب، على التكنولوجيا المحلية بشكل كامل؟

هذه الحرب لم تعد خافيةً على أحد، وقد تحوّل حذر الولايات المتحدة من الصين كـ«قوة صاعدة» في عالم التكنولوجيا، في السنوات الماضية، إلى خوف من قوة حقيقية باتت تهدّد السيطرة الأميركية على هذا المجال، ما دفع الإدارة الأميركية إلى فرض عقوبات تجارية على نظيرتها.

إلا أنّ الردّ على العقوبات من قبل الصين، التي عملت بفعّالية وجدية وصمت في العقود الماضية على الالتحاق بالولايات المتحدة المتفوّقة عالمياً على الصعيد التكنولوجي، جاء أخيراً، تحت عنوان: «الاستغناء عن الولايات المتحدة».

فقد أعلنت الحكومة الصينية عن خطة لتبديل كل أجهزة الحواسيب والبرامج الخاصة بها، من المكاتب الحكومية ومن جميع المؤسسات العامة، بأجهزة حاسوب وبرامج مصنوعة في الصين من ألفها إلى يائها.

القرار سيُنفذ على ثلاث سنوات، تبديل ما نسبته 30 في المئة من مجمل الأجهزة في عام 2020، 50 في المئة في عام 2021 و20 في المئة في عام 2022.

أهمية هذه الخطوة
في الشكل، هذه أول خطوة معلنة تقوم بها الحكومة الصينية ضد مصالح الولايات المتحدة الأميركية، إذ أنّ قرار كهذا يصيب شركات مثل «HP»، «DELL» و«Microsoft» بشكل أساسي.

حتى أجهزة حواسيب«Lenovo»، التي يتم تصنيعها في الصين، ستتأثر بهذا القرار، إذ أنّ قطع أساسية في هذه الأجهزة مثل وحدة المعالجة المركزية «CPU»، يتم جلبها من الولايات المتحدة الأميركية.

ولكن، في المضمون، يمثل هذا القرار نقلة نوعية على طاولة الريادة في عالم التكنولوجيا.

فمن خلال هذا القرار، تريد الصين، فعلياً، الاستغناء عن التكنولوجيا الأميركية في عالم صناعة الحواسيب. تقنياً، ليس من الصعب على الصين - التي تنتج هواتف ذكية ذات جودة عالية - أن تنتج حواسيب من صنعها بشكل كامل.

ولكن هذه الخطوة ستكون لها تأثيرات كبيرة، تتخطى عالمَي التكنولوجيا والاقتصاد.

لنا أن نتخيّل بعد أن تنتهي الصين من تطبيق هذا القرار، أن تبدأ شركات صينية بإنتاج حواسيب، ذات قدرات فائقة، لدول مثل روسيا، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فلسطين، فنزويلا... لتحدّ من مفعول العقوبات الأميركية على هذه البلدان.

فالعقوبات الأميركية اليوم، لم تعُد تُفرض عبر الدولار والنفط، بل عبر التكنولوجيا وتطبيقات الهاتف الذكي وقطع الحواسيب الأساسية.

ترامب عاقب «الصين» بعدما تفوّقت شركة «هواوي» بتكنولوجيا الجيل الخامس للاتصالات اللاسلكية، وشكّلت خطراً وجودياً على شركة «كوالكم» الأميركية، والتي بالمناسبة، كانت تجني عشرات مليارات الدولارات من الصين وحدها، من خلال الامتياز الذي حصلت عليه من قبل «3GPPP» بملكية تقنية «CDMA» والتي أتاحت ظهور الـ«3G» والـ«4G».

هكذا تفرض الولايات المتحدة الأميركية قيوداً على الدول التي تقاوم سياساتها، وتمنع عنها حقها في المعرفة والتطوير. الحواسيب الفائقة تشكّل جزءاً من العقوبات التي تُمارس في حق الشعوب الحرة. ونحن لا نتحدث هنا عن الحواسيب المستخدمة في الشركات أو المنازل، بل عن الحواسيب التي تتواجد في مراكز الأبحاث، والتي تتيح محاكاة عمليات فيزيائية تتعلق بالذرة أو للمساهمة بتصنيع منظومة صواريخ دقيقة. لذلك، يمكننا القول إنّ قرار الصين هذا سيقلق رؤوساً كثيرة في واشنطن.