من داخل محطة «كيب كانافيرال» للقوات الجوية الأميركية - فلوريدا، في الثالث والعشرين من شهر أيار الماضي، أطلقت شركة «سبايس إكس» الأميركية، صاروخ «فالكون 9» إلى الفضاء بحمولة غير عادية.

الصاروخ حمل على متنه 60 قمراً اصطناعياً من الجيل الجديد، لينشرها في مدار كوكب الأرض، دفعةً واحدةً.
المهمة الأساسية للمشروع هي تكوين شبكة من الأقمار الاصطناعية، تلفّ الكوكب من أجل نشر الإنترنت على الكرة الأرضية كلها.
أينما وُجد الناس، سيكون باستطاعتهم الاتصال بشبكة الإنترنت عبر الأقمار الجديدة.

التقنية قديمة... فما الجديد اليوم؟

ما تقوم به شركة «سبايس إكس» ليس جديداً، إذ يحفل فضاء كوكب الأرض بعشرات الأقمار الاصطناعية، التي تعمل على تزويده بخدمة الإنترنت.
أهم ثلاث شركات تمتلك هذه التقنية حالياً، هي «HughesNet» ،« Viasat» و «Dish». تملك كل من هذه الشركات قرابة عشرين قمراً اصطناعياً، غالبيتها تدور حول كوكب الأرض بارتفاع 36 ألف كم، هذا الارتفاع يساعد الشركات بتغطية مناطق أكبر من كوكب الأرض.
لذا، لا حاجة لنشر أقمار أكثر.
غير أنّ ما سبق يأتي على حساب أمرين رئيسين، أولهما ما يُعرف بوقت الاستجابة (Latency)، إذ أنّ بُعد الأقمار يؤدي إلى تأخُّر وصول المعلومات بالسرعة الحقيقية. ثانيهما، تأثّر الموجات المرسلة من الأقمار بعوامل الطقس على الأرض بسبب البُعد أيضاً، ما جعل الشركات السابقة تلجأ الى المناطق النائية للترويج لخدماتها في شكل رئيس.

الجديد اليوم، أنّ شركة «سبايس إكس»، تريد نشر 12 ألف قمر، يزن كل منها 227 كغ وبارتفاع 550 كم فقط!

تقول الشركة إنّ هذه الأقمار متقدمة تكنولوجياً عن كل التقنيات الأخرى. بعد نشرها في مدار الارض القريب، ستتواصل الأقمار في ما بينها عبر اللايزر بُغية تحديد مكانها بشكل دائم، منعاً لأي حالة اصطدام، كما أنّ هذه الأقمار ستكون على اتصال دائم ببرنامج تتبُّع الحطام في الفضاء المتواجد لدى وزارة الدفاع في الولايات المتحدة الأميركية.
تواجد الأقمار على هذا الارتفاع يعطي مشروع «ستارلينك» الأفضلية على بقية منافسيه، خدمة إنترنت سريعة 610 ميغا بت في الثانية!
تقارب سرعة الإنترنت، الذي يمر عبر الألياف الضوئية، وبوقت استجابة قصير. كل هذا، أضف إليه عدم التأثر بمناخ الأرض والعمل في كل أنواع البيئات والظروف.

ستبدأ خدمة «ستارلينك» للإنترنت في شمال الولايات المتحدة الأميركية وكندا بعد 6 عمليات إطلاق للصواريخ، ومن ثم ستصبح الخدمة متوفرة لكل المناطق المأهولة بالسكان على الكوكب.
هذا وقد نجحت شركة «سبايس إكس» في إطلاق ثاني دفعة من الأقمار الاصطناعية اليوم، ليصبح عدد هذه الأقمار 120، فيما سينتهي المشروع كلياً عام 2027.
تُرجّح بعض المصادر، أنّ مشروع «ستارلينك» سيدخل الخدمة بوقت أقصر من ذلك، خصوصاً إذا ما تبيّن أنّ الأقمار التي سبق وأُرسلت الى الفضاء لم تواجه أي مشاكل كبيرة.

سابقاً، كان يتم التقاط الإنترنت المُرسل عبر الأقمار الاصطناعية بطريقتين: الأولى، عبر الاشتراك مع مُزوّد خدمة الإنترنت في تلك المنطقة، والذي بدوره يلتقط إشارة الإنترنت من الأقمار عبر صحون لاقطة واشتراكات شهرية.
أما الطريقة الثانية، فتكون تواصل المستخدم مع القمر الاصطناعي مباشرةً من دون المرور بمزوّد خدمة، عبر تثبيت صحن لاقط خاص به والاشتراك مع الشركة المالكة للقمر الاصطناعي، ولكن بكلفة باهظة نسبياً.
اليوم، تقول شركة «سبايس إكس»، إنها ستنتج ألواحاً صغيرة يمكن للمستخدمين حملها معهم أينما ذهبوا، كما يمكن لهم تثبيتها على الآليات والمباني، هذه الألواح تلتقط الإشارة من أقمار شبكة «ستارلينك»، لتعود بدورها لتبثّ الإنترنت إلى المستخدم.

الأهداف المرجوّة

أهداف مشروع شبكة «ستارلينك» تصل إلى المريخ.
تريد «سبايس إكس» بدايةً إيصال خدمة الإنترنت إلى كل الناس على كوكب الأرض، إذ حسب موقع «internetworldstats» أكثر من 40 في المئة من سكان الأرض غير متواجدين على شبكة الإنترنت!
وهم هكذا إما بسبب كونهم يسكنون مناطق نائية غير مجهزة لإيصال خدمة الإنترنت، أو يتواجدون ضمن دول فقيرة جداً ولا يملك أحد المال الكافي للاشتراك بهذه الخدمة. ثانياً، إذا ما جرى كل شيء حسب الخطة، فإن «سبايس إكس» ستجني من 30 إلى 50 مليار دولار من الأرباح كل عام! هذا الحجم من الأرباح سيجعل من «سبايس إكس» أعلى تمويلاً من وكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، تريد «سبايس إكس» استثمار هذه الأموال في برنامجها لاستيطان القمر والمريخ، فيما ستبدأ أولى الرحلات المأهولة حول القمر في عام 2021، حسب زعم إيلون ماسك.

المخاوف: «ستارلينك» مشروع «استعمار»؟
أقمار ستارلينك عند مشاهدتها من الأرض

كثيرة هي المخاوف التي تترتب على هذا المشروع، ولكن الخوف الأكبر يكمن في أساس الموافقة عليه، من أعطى الإذن للجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية، لتوافق على مشروع «ستارلينك» والعديد من المشاريع الأخرى المشابهة؟ هل تواصلت هذه اللجنة مع أي دولة أخرى في هذا العالم؟ لنضع الفوائد التي سنحصل عليها من «ستارلينك» جانباً، هل يريد الناس تحويل مدار الأرض القريب إلى مكان يعجّ بالأقمار المضيئة ليلاً؟
في تقرير لموقع «ناشيونال جيوغرافيك»، يقول عالم الفلك جوناثان ماكدويل من مركز هارفارد سميثسونيان للفيزياء الفلكية: «خوفنا الأساس هو من الضوء المنبعث من تلك الأقمار، الأمر قد يتحوّل إلى مشكلة كبيرة لنا خلال عمليات رصدنا للفضاء». ويضيف: «رغم إعلان سبايس إكس أن الضوء المنبعث من الأقمار لن يكون قوياً، إلا أننا سنحتاج إلى عدة أسابيع أو أشهر للتأكد من ذلك».

إضافة إلى ذلك، لن يكون بمقدور أي دولة أن ترصد حركة الداتا التي يقوم بها أي مستخدم للإنترنت عبر مشروع «ستارلينك» إذ أنّ التواصل يتم بشكل مباشر بين المستخدم وأقمار «ستارلينك» من دون المرور عبر الدولة.
لا نتحدث هنا عن عمليات مراقبة أو تنصّت لكل مستخدم، ولكن هناك آليات محدّدة ضمن سياسات حكومية يمكن للدولة بموجبها تتبّع حركة التنظيمات الإرهابية وضبط الأمن، طبعاً من دون التعدي على خصوصية المستخدمين، ولكن، هل ستعطي «ستارلينك» هذه الداتا للدول التي تطلبها؟ وبأية كلفة؟

تقول «سبايس إكس» إنّ العمر المفترض لهذه الاقمار هو 5 سنوات لكل قمر، وعندما تنتهي خدمة القمر سيتم إسقاطه عبر أنظمة الدفع المُجهّز بها، ليعود ويتفكّك حرارياً خلال مروره بالغلاف الجوي.
غير أنّ بعض المصادر تقول: إنّ أجهزة اللايز الموجودة على متن الأقمار، مجهّزة في الأساس لتحتمل درجات عالية من الحرارة، ما يطرح علامات استفهام حول إمكانية احتراق القمر بشكل كامل خلال عملية سقوطه على الأرض.

في المحصّلة، إنّ مشروع ستارلينك والمشاريع الأخرى المشابهة له، مثل (وان ويب - OneWeb) ومشروع «كويبر-Kuiper» من شركة «أمازون» العملاقة، لن تكون مجرّد أقمار اصطناعية لتزويد الكوكب بالإنترنت.
ما هو الإنترنت أصلاً؟ هذه الخدمة، في جوهرها، هي خدمة اتصال، تربط كل الأجهزة التي تستخدم الشبكة ببعضها البعض.
انطلاقاً من هنا، «ستارلينك» سيبدأ كمزوّد خدمة إنترنت بالفعل، لكنه تدريجياً سيتحوّل إلى شبكة اتصالات عالمية موحّدة لكل الكوكب.
نتحدث هنا عن أنّ اتصالات الناس جميعاً، ستصبح، عملياً، في يد الولايات المتحدة الأميركية.