يترقّب العالم تحوّلاً نحو مرحلةٍ جديدة ستُشكِّل نقلة نوعية في العصر الرقمي. حيث تتنافس الدول في ابتكارها للبرمجيات الرقمية وإنتاجها للتكنولوجيا الذكية. فالذكاء الاصطناعي دخل حيَّز التنافس الدولي وبات جزءاً من معايير السيطرة وإبراز القدرة. لكن وبعيداً عن حسابات الدول، بدأ المُخطّطون يعانون من صُداع ما سينتُج عن هذا التحوُّل وما يعنيه ذلك بالنسبة إلى مستقبل المجتمعات وإعادة صياغة مستقبل الإنسان والشعوب والأعمال.


فعلى الرغم من وجود اختلافٍ في النظرة للشكل الذي سيكون عليه المستقبل، لكن الجميع متفقٌ على أنه لن يكون كالذي نعيشه اليوم. فالتأثير حاصلٌ بسبب دخول العالم مسار التحول نحو الاستفادة القصوى من التكنولوجيا الرقمية وابتكاراتها، التي باتت تَحلُّ مكان البشر حيث يُنافس الذكاء الاصطناعي الإنسان ويُهدد دوره.
من المركبات الذاتية القيادة، والتجارة الإلكترونية مروراً بالطباعة الثلاثية الأبعاد، والروبوتات، والطائرات بدون طيار وصولاً إلى تكنولوجيا الخدمات الذكية، ينتقل العالم إلى مرحلة التنافس على منتجات الذكاء الاصطناعي القائم على الابتكارات التكنولوجية والتي استطاعت تحويل نفسها إلى محركات دافعة للإبداع. وحده الابتكار (خلق الأفكار) يُمثِّل الميزة التنافسية في عالم التكنولوجيا الذكية والبرمجيات الرقمية. ويأتي الإبداع ليُغلق الفجوة بين نتائج الابتكار النظرية والواقع، ويقود عملية التحوُّل. فهل يُمارس الإنسان من خلال عقله الألمعي عملية القضاء على دوره؟
هنا يأتي التساؤل حول ما يمكن أن نفعله أمام هذا التحوُّل، ليكون بداية الإجابة. سيكون الذكاء الاصطناعي حتماً، مُنافساً أقوى بكثیر من أي إنسان. وحينها سنكون نحن البشر في سباق محموم مع هذا الذكاء، للمحافظة على أهمیتنا، مما يفرض دوراً للمهارات المعرفية والعاطفية لتُشكَّل الميزة التنافسية بين الإنسان ونتائج التكنولوجيا الذكية. وهنا سيكون مطلوباً منا أن نرتقي بهذه المهارات التي تُعتبر السبب في إبقاء الحاجة لدورنا، خصوصاً في المجالات التي تتطلَّب درجة عالیة من التفكیر المُنظَّم الحاسم والمُبدع والابتكاري، وكذلك المهام التي تتطلب درجة عالیة من التفاعل العاطفي. سيبرُز حينها حجم الضعف الذي يُعاني منه أغلب البشر، حيث ستكون هذه الميزة بمثابة التحدي للكثيرين غير المتفوقين في هذه المهارات. ذلك لأن أغلبنا يدفن مهارته المعرفية بسبب سعينا لتأكيد ما نؤمن به، وبالتالي عدم إيماننا بالحاجة للآخرين. وكذلك نقوم بدفن مهاراتنا العاطفية حين نسعى لتأكيد ذواتنا فقط. ولنكون قادرين على تحقيق القدرة على منافسة الذكاء الاصطناعي، نحتاج للتغلب على هذه النزعات قبل أن نتمكن من الارتقاء بمهاراتنا المعرفية والعاطفية إلى مستوى أعلى مطلوب.
من جهةٍ أخرى تبرز أهمية ما سيُغيِّره الذكاء الاصطناعي من تعريفنا لمفهوم الذكاء، إذ لن يبقى مفهوم الذكاء يعني القدرة على تحقيق النجاح عبر كسب أعلى الدرجات التنافسية، ولن يُقاس حينها الذكاء من خلال اختبارات الذكاء الحالية التقليدية. وإذا استمرينا في الإيمان بهذا المعنى للذكاء فلن يكون بمقدور أيّ إنسانٍ التفوق على الذكاء الاصطناعي الذي بدأت تُنتجه الشركات العاملة في مجال تفعيل البرمجيات الرقمية والتكنولوجيا الذكية. سيكون باستطاعة الآلات الذكیة معالجة وتخزین واستعادة المعلومات بصورة أسرع وأفضل من البشر، بالإضافة إلى قدرتها على مطابقة الأنماط وإنتاج مصفوفات أوسع من البدائل مما يستطیع الإنسان، حتى أنه بإمكان الذكاء الاصطناعي التعلم بشكلٍ أسرع. بالتالي، سيكون التعريف الجديد للذكاء متعلقاً بالمستویات الأعلى من التفكیر البشري والتفاعل العاطفي. وسیتحدد الشخص الذكي بناء لتعریفٍ جديدٍ يأخذ بعين الاعتبار المقاييس الجديدة والتي ستتعلَّق حتماً بجودة التفكیر وما يرتبط بالمهارات المعرفية والعاطفية. حینها ستُصبح الأهمية للنوعیة وليس الكمیة. وهذا التحول سيكون كفيلاً بجعل الإنسان يُركِّز على العمل الهادف لرفع مستوى مهاراته المعرفیة والعاطفیة والارتقاء بها. وسيكون الشخص الذكي الجدید هو من یحاول التفوّق على اثنین من أكبر عوائق التفكیر النقدي الإيجابي والعمل الجماعي، الإيمان السلبي بالذات والخوف. حينها ستكون أولى النتائج، قدرة الإنسان على رؤیة الواقع على حقيقته بدل رؤیته كما يتمناه. وقد نُصبح نحن البشر أكثر تواضعاً، وسنسعى لجعل ذلك الطریقة التي نستطیع من خلالها إضفاء قیمة على هذا التحوُّل وبالتالي على نتائج عالم التقنیات والبرمجيات الرقمية والتكنولوجيا الذكیة.
إذاً، لم تكن الأزمات التي أحدثتها البرمجيات الرقمية والتكنولوجيا الذكية وما أخرجه الذكاء الاصطناعي، إلا صدمة وضعت المُخططين لسياسات الدول والمجتمعات والأعمال أمام واقعٍ جديدٍ يتمثَّل أقل تحدياته بالانتقال من التفكير التقليدي نحو التفكير المُغاير الذي لا يقلُّ عن الألمعي والخلَّاق. فالأزمة التي أحدثها هذا الذكاء عبر تطبيقات خدماتية تُعتبر ناتجاً مهماً للبرمجيات الرقمية، مثل برنامج "واتسون (IBM Watson)" القانوني الذي جعل الأميركيين يستغنون عن المحامين في الحصول على الاستشارة القانونية في القضايا العامة، ناهيك عمّا ابتكره العقل الصيني من سيارات ذاتية القيادة أرعبت شركات صناعة السيارات وألغت الحاجة لشركات التأمين، بالإضافة الى الحافظة الثلاثية اليدوية التي يمكن وضعها في جهاز الموبايل لإجراء التحاليل الطبية، وصولاً إلى العملة الرقمية (Bitcoin) التي قد تُنهي مُستقبل البنوك المركزية، كلّها نماذج بسيطة من علامات التحوُّل نحو عصر التكنولوجيا الذكية، والتي بدأت تعمل على صياغة وهندسة مستقبلٍ جديدٍ للشعوب والمجتمعات والأعمال.
*باحث في إدارة المنظومات والشؤون الاستراتيجية