ربما لن يمرّ وقت طويل قبل أن تتحول أجهزة التحكم (Games controllers) التي يستخدمها معظم الأطفال والمراهقين في العاب الفيديو الى "أسلحة قاتلة"! الأجهزة التي لطالما "فجّر" بها الأطفال غزاة من الفضاء الخارجي، و"حاربوا" بواسطتها "أعداءهم" ذوي الأشكال الغريبة، أو "تلاعبوا" عبرها بكبار الملاكمين ولاعبي كرة القدم، دخلا أيضاً عالم "الكبار".


منذ أسابيع، أعلنت البحرية الأميركية أنها وافقت على وضع سلاح ليزري جديد في قطعاتها البحرية المنتشرة في الخليج. والسلاح الجديد عبارة أشعة قاتلة لطالما حفلت بمثلها أفلام الخيال العلمي لعقود خلت. لكن المفارقة أن جهاز التحكّم بهذا السلاح هو، في الواقع، في متناول معظم أطفال العالم!
على مدى سنوات، كانت هذه الأجهزة (Games controllers) عبارة عن عصا (Stick) وبضعة أزرار قليلة كافية ليتحكّم الطفل باللعبة. ولكنها، مع مرور الوقت وتطوّر الألعاب، إزدادت تعقيداً و"ذكاء" وباتت أكثر تفاعلية. وبات حضورها ملموساً في أماكن أبعد ما تكون عن أيدي الأطفال، من التحكم بالطائرات الصغيرة من دون طيار (درونز) الى استخدامها في عمليات جراحية افتراضية يجريها تلامذة الطبّ.
مسيرة طويلة سلكتها أجهزة التحكم وصولاً الى شكلها الحالي الذي يستخدم اليوم في ألعاب الـ "بلاي ستايشن" والـ "إكس بوكس". في عام 1958 إبتكر الفيزيائي الأميركي ويليام هيغينبوثام لعبة كرة مضرب تفاعلية لم تطرح في الأسواق، وكانت الأولى التي يمكن لاعبين اثنين المشاركة فيها عبر استخدام جهاز تحكم مصنوع من الألومنيوم يشبه تلك الآلات الضخمة التي نشاهدها في أفلام الخيال العلمي التي صنعت في خمسينيات القرن الماضي.
وشهد عام 1972 أول طرح تجاري لجهاز تحكم في الأسواق مع لعبة Magnavox Odyssey، وهي عبارة عن محاكاة بدائية لبعض الرياضات ككرة المضرب وكرة السلة. وكان الجهاز عبارة عن مجذافين صغيرين موصولين الى آلتين يفترض أنهما تنظّمان مرور الكهرباء اليه. إلا أن أي حركة خاطئة من أي من اللاعبين كان ينتج عنها "خربطة" في مرور الكهرباء ما يؤدي الى "خربطة" في ترجمة الجهاز للأوامر، الأمر الذي جعل اللعبة أبعد ما تكون عن المتعة التي يبغيها اللاعبون.

خرجت أجهزة التحكّم
بالألعاب من غرف الأطفال الى المراكز الطبية وبات لها أيضاً دور في الأعمال الحربية

بقيت أجهزة التحكم تعتمد أساساً على العصا (Joystick) وبضعة أزرار للاتجاهات (فوق/ تحت/ يسار/ يمين) حتى منتصف الثمانينيات مع طرح "نينتندو" جهازاً ثورياً تضمّن عصا سيطرة أكثر تطوراً (Analogue control stick) تسمح للاعب بالتحكم في شكل أكثر مرونة، وبات في امكانه تحريك اللعبة في اتجاهات أكثر وفي أي زاوية يريدها، وليس فقط في أربعة اتجاهات.
وفي السنوات الأخيرة، عملت الشركات المصنّعة على ايلاء راحة اللاعب عناية كبيرة عبر الاهتمام بحجم الجهاز ومدى ملاءمته لكفّ اليد وسهولة حمله وخفّة وزنه. كما أن وظيفته تخطّت عالم الألعاب الى عوالم أخرى. ففي المجال الطبي، حلّت أجهزة التحكم المستخدمة في ألعاب الـ "إكس بوكس" محل لوحة المفاتيح والفأرة في الولوج الافتراضي لجسم الانسان، إذ أنها تمكّن المتحكم من الدوران في الجسم و"التحليق" داخله وتقريب الصورة أو تصغيرها، ما يتيح الاطلاع على أدق التفاصيل.
وكما خرجت أجهزة التحكّم بالألعاب من غرف الأطفال الى المراكز الطبية، بات لها أيضاً دور في الأعمال الحربية. شركة "آي روبوت للأمن والدفاع الأميركية" استغنت في الروبوتات التي تستخدم في تعطيل القنابل عن حقيبة جهاز السيطرة التي تزن نحو 20 كيلوغراماً واستبدلت بها كمبيوتراً محمولاً مزوداً جهاز تحكم من ذاك الذي يستخدم في ألعاب الـ "بلاي ستايشن"، والفائدة واضحة: جهاز أقل وزناً، وأرخص بما لا يقاس من تلك التي تكلّف آلاف الدولارات، وسهولة في تدريب المشغّلين الجدد الذين قضى معظمهم، بالتأكيد، آلاف الساعات في سنوات مراهقتهم مع ألعاب الفيديو، ما يجعلهم في حاجة الى تدريب أقل على استخدام أجهزة التحكم العسكرية.
من جهتها، تطوّر وكالة "ناسا" الفضائية الأميركية روبوتات تعتمد على الواقع الافتراضي والتقنية المستخدمة في ألعاب الـ "إكس بوكس كينيكت" التي تقوم على رصد حركة اللاعب وترجمتها الى أوامر. إذ تسمح سمّاعات الرأس للمشغّل بالحصول على معلومات أكثر عن المحيط الذي يعمل فيه الروبوت ولو كان على بعد آلاف الأميال في الفضاء الخارجي، كما تسمح له برؤية هذا المحيط كما يراهما الروبوت نفسه.
كل هذا يشير الى أن وظيفة ألعاب الفيديو يمكن ألا تقتصر على قضاء ساعات من المتعة فقط، وأنها تتحول، يوماً بعد آخر، الى أمر أكثر خطورة من أن يترك بين أيدي الأطفال وحدهم.