إسطنبول | ما زالت الحكومة التركية مستمرة في تقديم كافة التسهيلات لآلاف «الجهاديين» الأجانب لدخول سوريا عبر حدودها. فقد أخلت أنقرة سبيل ما لا يقل عن خمسين من عناصر تنظيم «داعش» الذين كانوا معتقلين لديها، متابعة في الوقت ذاته معالجة الجرحى من عناصر التنظيم، خصوصاً بعد تسليم «داعش» كل الرهائن الأتراك لديه إلى السلطات التركية.


وفي الوقت الذي لم يكن واضحاً فيه ما إذا تمكن الرئيس الأميركي باراك أوباما من إقناع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال لقائه به في نيويورك أول من أمس، بالمشاركة في التحالف، برزت تصريحات متناقضة لوزير الخارجية الأميركي جون كيري، الذي ناشد أنقرة في البداية إثبات صدقيتها في الحرب على «داعش» من خلال مواقف عملية، ثم عاد بعدها ليقول إن تركيا ستؤدي دوراً ريادياً في هذه الحرب. لكن كيري لم يشرح ماهية هذا الدور «الريادي»، الذي تتمنى حكومة الثنائي أردوغان - داود أوغلو، أن يكون عبر دعم المعارضة المعتدلة.
ففي موازاة ذلك، عادت أنقرة للحديث عن ضرورة إقامة منطقة عازلة داخل الأراضي السورية، لحماية المعارضة المعتدلة في حربها المحتملة والمستقبلية ضد النظام السوري و«داعش». ولم تكتفِ بذلك، بل إنها عادت للمطالبة بضرورة إقامة منطقة حظر جوي شمال سوريا، حيث توجد قوى المعارضة المعتدلة التي لم تعد كذلك.
إذاً، على الجميع أن يتذكر تصريح الرئيس أوباما، قبل عدة أشهر، الذي اعتبر فيه أن المعارضة المعتدلة فاشلة، ولا تستحق حتى الحديث عنها.
ففي الوقت الذي بات يعرف فيه الجميع أن قيادة الائتلاف المعارض «المعتدل»، باتت تحت سيطرة السعودية المنافس «العملي العربي» والقوي لتركيا، بقيت هذه الأخيرة بمفردها في الملعب السوري، بعدما تخلّت عنها قطر واضطرت للانضمام إلى التحالف وطرد قيادات «الإخوان المسلمين»، الذين صنّفوا على أنهم إرهابيون بالنسبة إلى السعودية.
لكن أنقرة تخطّط لأن يكون لها دور مهم في المعادلات المستقبلية، بعدما ازداد الحديث عن تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات شيعية وسنية وكردية، فهي تريد من الأخيرتين أن تكونا معها، أولاً لموازنة الدور الإيراني في الدويلة الشيعية وثانياً لضمان الأمن القومي لتركيا في الخريطة السورية المستقبلية.
وفي الإطار ذاته، يتحدث المقربون من حكومة «العدالة والتنمية» عن ضرورة استمرار القتال لإسقاط النظام السوري وأيضاً لضمان حقوق السنّة في كلا الحالتين، ببقاء الأسد أو بسقوطه. وسيدفع ذلك أنقرة إلى الاستمرار في التحالف الاستراتيجي مع القوى السنية في سوريا، كما هي الحال مع طارق الهاشمي وأسامة النجيفي في العراق.
وعلى هذا الصعيد، يعرف الجميع أن ما تسعى إليه أنقرة من خلال الحديث عن حقوق السنة، يعني في الوقت نفسه ضمان حدودها مع سوريا، خصوصاً في المنطقة التي تمتد من جرابلس حيث يدخل نهر الفرات سوريا وحتى الحدود العراقية.
وتشهد هذه المنطقة الغنية بالبترول والغاز صراعاً عنيفا، بين «داعش» حليف أنقرة المذهبي والعاطفي وبين القوات الكردية السورية الموالية لـ«حزب العمال الكردستاني» التركي بزعامة عبدالله أوجلان مفاوض رجب طيب أردوغان، في إطار المساعي المستمرة لحل المشكلة الكردية تركياً وإقليمياً. لكن ذلك لا يعني أن أنقرة ستقبل بأي وضع مميّز لأكراد سوريا، قد يسهم في دعم الموقف الكردي التركي. ويدفع مثل هذا الحساب أنقرة إلى السكوت عن قتال «داعش» ضد الأكراد في منطقة عين العرب، كما فعلت عندما احتلّ تل أبيض قبل عدة أشهر.
وعلاوة على ذلك، فقد اتهم الأكراد تركيا بتقديم كافة أنواع الدعم لـ«الجيش الحر» و«جبهة النصرة» و«داعش»، عندما كانوا يقاتلون معاً ضد الجماعات الكردية، قبل أكثر من عام. واتهم زعيم «الاتحاد الديموقراطي الكردي» السوري صالح مسلم، في أكثر من مقابلة، الحكومة التركية بتسليح الجماعات الإرهابية وتمويلها والسماح لها بالتنقل عبر الحدود المشتركة.
وتفسر كل هذه التفاصيل، مضافاً إليها الغضب التركي من الوضع الذي آلت إليه أنقرة بعد سقوط مشروعها الإخواني الإقليمي، تناقضات الموقف التركي.
ويعتقد أردوغان وداود أوغلو أن ذلك سيكون كافياً لإقناع الحلفاء في واشنطن، بعدما بات واضحاً أنهم لم يقرروا بعد مصير علاقتهم مع أردوغان، خصوصاً أن الساحة التركية تفتقر إلى أي بديل سياسي جدي له.
ويعي الرئيس التركي جيداً هذه الحقيقة وحقيقة المصالح الاقتصادية والمالية الغربية الضخمة في تركيا، الأمر الذي يدفعه إلى مزيد من المناورة على النمط العثماني الإنكشاري. فهو يخطو خطوتين إلى الأمام وأخرى إلى الوراء في حديثه عن «داعش». ويبدو من الحسابات التركية العثمانية، أن أردوغان وداود أوغلو لا ولن يتخليا عن هذا التنظيم، بما أن أوباما لم يقرّر بعد ما إذا كان سيرجّح إيران «الفارسية» على تركيا «العثمانية»، في حلفه «العربي» ضد «القريشي العربي» البغدادي، الذي يخطط لإقامة خلافته، انطلاقاً من مرج دابق التي دخل منها السلطان العثماني سليم إلى سوريا في آب ١٥١٦ ثم مصر، ليعود في كانون الثاني ١٥١٧ من القاهرة، كخليفة للمسلمين السنة.