بعد أكثر من عام على تقديمه للولايات المتحدة مبادرة لتعديل السياسة المتّبعة حول سوريا، والانتقال من مرحلة العقوبات «غير المُجدية» إلى مرحلة أكثر مرونة، يعود الأردن، الراغب بشدّة في التخلّص من عبء اللاجئين السوريين على أراضيه، إلى طرْح ورقة عمل في الإطار نفسه، أكثر وضوحاً وشمولية هذه المرّة. وإذ ترتكز الورقة الجديدة على إعادة إحياء «الدور العربي» المجمَّد، والعمل على حلحلة الملفّات المعقّدة بشكل تدريجي، فإن شكوكاً كثيرة تدور حول إمكانية مُلاقاتها مصير سابقتها من الفشل، وخصوصاً في ظلّ عودة واشنطن إلى محاولة تفخيخ الملفّ السوري بوجه موسكو، تلافياً لأيّ «حلول» غير مرغوبة


بات النظام الأردني، منذ مدّة، مقتنعاً بأن السعْي لإسقاط النظام السوري بالقوّة لن يصل إلى أيّ نتيجة، وهو ما خَبِرته عمّان بنفسها، عندما احتضنت المشروع الأميركي لتسليح مُقاتلي المعارضة وتدريبهم قبل نحو 7 أعوام، والذي عُرف حينها باسم «غرفة الموك»، قبل أن ينتهى المشروع إلى الفشل الذريع، لتبدأ إثر ذلك مرحلة جديدة من الانفتاح الهادئ، وصلت إلى ذروتها العام الماضي عندما جرى اتّصال هاتفي بين الرئيس السوري بشار الأسد، والملك الأردني عبد الله الثاني. وتَأثّر الأردن، خلال سنوات الحرب، بشكل كبير، بتداعيات الأحداث الدموية في جارته الشمالية، سواء لناحية تدفُّق اللاجئين الذين تقدِّر السلطات الأردنية عددهم بنحو 1.3 مليون، أو الإشكالات الأمنية على الحدود وعمليات التهريب والقلق من تَسرّب «الإرهاب»، فضلاً عن الأضرار الاقتصادية البالغة بالنظر إلى كوْن سوريا أحد أبرز مصادر الأمن الغذائي والمائي بالنسبة إلى الأردن، وشريكاً لا بدّ منه في طرق التوريد والاستيراد والترانزيت. وإلى جانب ما تَقدّم، برزت، أخيراً، هواجس أردنية مُنطلقُها «نظرية الفراغات» التي بدأت تُسجّل انتشاراً بعد اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، حيث جرى الحديث مذّاك عن فراغ ستَتركه روسيا في سوريا، وسط مخاوف من تَمدُّد إيران لملئه، وهو ما تحدّث عنه الملك الأردني بشكل صريح في شهر أيار الماضي. ولعلّ هذه المخاوف تمثّل «أرضية مشتركة» تعتقد عمّان أنها تستطيع البناء عليها، وخصوصاً أنها تتشاركها مع الرياض، التي أعلن وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، أنها على رأس العواصم التي تستهدفها المبادرة الأردنية الجديدة، ما قد يفتح أمام السعودية باباً لِلقيام بدور أكثر وضوحاً، بعدما أظهرت طوال العامَين الماضيَين تردُّداً حيال مشروع الانفتاح على دمشق، على رغم المساعي الإماراتية - العُمانية - الروسية في هذا السياق.

يَصعب منْح حظوظ نجاح للمبادرة الأردنية، في ظلّ المساعي الأميركية لتكريس خريطة السيطرة الحالية


وفي سياق تصريحاته بهذا الخصوص، أوضح الصفدي أن مبادرة بلاده تعتمد بشكل رئيسيّ على قرار مجلس الأمن 2254، المتعلّق بوقف إطلاق النار والتوصّل إلى تسوية سياسية في سوريا، بالإضافة إلى القرار 2642 المتّصل بآلية إدخال المساعدات ودعم مشاريع التعافي المبكر، والتي يعوّل عليها الأردن بشكل كبير لتوفير البنية التحتية الملائمة لإعادة اللاجئين السوريين. واللافت في المبادرة الأردنية الجديدة، أن طرحها يأتي قُبيل انعقاد القمّة العربية في الجزائر في الأوّل من شهر تشرين الثاني القادم، والتي تَرافقت تحضيراتها مع جدل واسع على خلفيّة إصرار الجزائر على إشراك سوريا فيها، الأمر الذي تمكّنت الولايات المتحدة من إحباطه عبر حملة تشويش كبيرة دفعت دمشق إلى إعلان عدم نيّتها المشاركة. كما تجيء خطوة عمّان في وقت تُصعّد فيه واشنطن من وتيرة نشاطاتها السياسية والعسكرية على الساحة السورية في محاولة لخلْق مسار معاكس لمسار «أستانا» الذي تقوده موسكو. ويتجلّى ذلك بوضوح في عمليات إعادة الانتشار التي تقوم بها قوّاتها في محيط المواقع النفطية في الشمال الشرقي من سوريا، والتي تتوازى مع رفْع وتيرة الإمدادات العسكرية لقواعدها، حيث استَعملت لأوّل مرّة منذ دخولها سوريا طائرة من نوع «C-17» في عمليات نقل المعدّات العسكرية. وتُضاف إلى ما تَقدّم محاولاتها اختراق مناطق سيطرة أنقرة الساعية إلى الانفتاح على دمشق، واستعادة القدرة على التحكّم بالمعارضة السورية، وهو ما أنبأ به دفْعها، الأسبوع الماضي، على هامش اجتماعات الجمعية العامّة للأمم المتحدة، إلى عقْد اجتماع يُعدّ الأوّل من نوعه بين وفد من المعارضة والأمين العام للمنظّمة الدولية، أنطونيو غوتيريش، في مكتب الأخير، بهدف إضفاء طابع رسمي على الاجتماع، بعدما كانت اللقاءات السابقة تتمّ في منزل غوتيريش.
بناءً على ذلك، يَصعب منْح حظوظ نجاح للمبادرة الأردنية، في ظلّ تصاعُد المساعي الأميركية لتكريس خريطة السيطرة الحالية، والتي تُوفّر الظروف المناسبة لواشنطن للإبقاء على قوّاتها في المناطق النفطية، وبالتالي منْع روسيا من تحقيق أيّ تَقدّم في مسارات الحلّ. وكانت موسكو قد أدّت دوراً بارزاً في ترتيب الأوضاع في الجنوب السوري، وهو ما مهّد بالفعل للانفتاح بين دمشق وعمّان، ما يعني أن أيّ خطوات لاحقة تُبنى على هذا الانفتاح سيعود فيها الفضل إلى روسيا، وهو ما أعلنت الولايات المتحدة صراحةً رفضها له. من هنا، يمكن تَفهّم قول وزير الخارجية الأردني إن بلاده «متفائلة بحذر حول إمكانية التغلّب على مِثل هذه العقبات»، فيما لم تَخرج إلى الآن أيّ ردود فعل مباشرة من دمشق حول مبادرة عمّان. إلّا أنه بناءً على المواقف السورية السابقة، يمكن القول إن سوريا تُبدي اهتماماً بعودة العلاقات الثنائية مع محيطها العربي، بشكل يحفظ لكلّ دولة حقوقها ومصالحها، وهو الموقف نفسه الذي تستند إليه جميع المبادرات العربية، سواء الإماراتية أو العُمانية أو حتى الأردنية الأخيرة.