في قمّة تُعتبر خطوة متمِّمة لخطوات سابقة ضمن مسارات عدّة يمثّل الملفّ السوري أحد أبرز محاورها، يستضيف فلاديمير بوتين، رجب طيب إردوغان، في منتجع سوتشي غداً الجمعة، حيث سيجري وضع لمسات جديدة على اتفاقات سابقة بين البلدين. اتفاقاتٌ تبدأ من الحرب في أوكرانيا والوساطة التركية لإخراج القمح من هناك، ولا تنتهي بالأوضاع في سوريا، التي بدأت تشهد عمليات تسخين متواترة لخطوط التماس. وتأتي هذه القمّة بعد أقلّ من أسبوعين على قمّة ثلاثية روسية - إيرانية - تركية في طهران، خرجت ببيان ختامي لم يُخفِ، على رغم استخدامه مصطلحات توافقية وتعمُّده الحديث في أطر عامة، الخلافات في التفاصيل ووجهات النظر والمصالح، ما يعطي لقاء سوتشي فرصة للخروج بمقاربات أكثر واقعية


لم يتمكّن الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، من تحقيق أقصى استفادة ممكنة من المتغيّرات الدولية التي تَسبّبت بها الحرب في أوكرانيا، وفق ما كان يطمح إليه، الأمر الذي حوّل وعوده بشنّ عملية عسكرية وإنشاء «منطقة آمنة» في الشمال السوري، إلى ورقة ضغط لا أكثر، بعد أن قوبلت برفض متعدّد الأوجه والمصالح، سواءً من «شريكي أستانا» (إيران وروسيا) أو من «شركاء الناتو» (الولايات المتحدة وفرنسا ودول الاتحاد الأوروبي). وهكذا، دخلت القضية السورية مرحلة تجاذبات دولية جديدة، تُشكّل فيها أنقرة التي تسيطر على مناطق في الشمال، وتتحكّم بإدلب الخاضعة لسيطرة «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة)، محوراً مفصلياً. ومن هنا، تُمثّل زيارة إردوغان لروسيا، والقمّة التي ستجمعه إلى نظيره فلاديمير بوتين، محطّة مهمّة، خصوصاً بعد أن ظهر التباين الكبير بين الموقفَين الروسي والتركي خلال قمّة طهران قبل نحو أسبوعَين، عندما حاول إردوغان إفراغ «اتّفاقات سوتشي» السابقة من مضمونها، وفصْل ملفّ إدلب عن ملفّ الأكراد في الشمال، وهو ما قوبل برفض روسي واضح، حاولت إزاءه طهران تقريب وجهات النظر والخروج بإطار توافقي تسعى من خلاله إلى تمهيد الأرض لفتح الأبواب المغلقة بين أنقرة ودمشق، بما يحقّق مصالح البلدَين معاً.
وظهرت بوادر الشقاق بين أنقرة وموسكو في القضية السورية خلال الأعوام الثلاثة الماضية، بعد مماطلة الأولى المتعمّدة في الوفاء بتعهّداتها بموجب «سوتشي»، خصوصاً في ما يتعلّق بإدلب، التي كانت التزمت تركيا بعزل الفصائل «الإرهابية» فيها، بالإضافة إلى فتح طريق حلب – اللاذقية (الجزء الغربي من طريق «M4» الدولي الذي يصل شرق سوريا بغربها مروراً بحلب)، مقابل إبعاد «خطر الأكراد» مسافة 30 كلم عن الحدود، وهو ما لم يتمّ حتى الآن. وتتذرّع أنقرة بمجموعة من المعوّقات للتهرّب من تنفيذ تلك الالتزامات، أبرزها ملفّ اللاجئين والنازحين الذين تسعى إلى التخلُّص منهم عبر إقامة تجمّعات سكّانية قرب الشريط الحدودي - بتمويل متعدّد تلعب فيه قطر دوراً مركزياً -، تضْمن لتركيا موطئ قدم ثابتاً في المنطقة، أيّاً كانت النتيجة التي ستنتهي إليها الحرب.

الوجود الأميركي في سوريا من الملفات التي يناقشها الرئيسان الروسي والتركي خلال قمة سوتشي


أمام هذه المعطيات، تبدو التصريحات الأخيرة التي أطلقها وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، حول انفتاح بلاده على العلاقات العسكرية والأمنية مع دمشق لردع الأكراد، مبرَّرة، ومتوافقة مع الرغبة التركية في تجميد ملفّ إدلب في الوقت الحالي، ومنْع معالجته بالطرق العسكرية، مقابل عسكرة حلّ ملفّ الأكراد. لكن روسيا لا تزال تُظهر موقفاً متشدّداً حيال الفصْل بين الملفّات، وتصرّ على فتْح خطوط تواصل بين إدلب ودمشق بمختلف الطرق، والتي تُعتبر المساعدات الإنسانية أبرزها، ما يبرّر بدوره الموقف الروسي الحازم في مجلس الأمن حول مسألة المساعدات، وما نتج منه من قرار يقلّل من حجم المعونات المتدفّقة عبر الحدود، مقابل زيادتها عبر خطوط التماس (عن طريق دمشق).
ومن بين المسائل التي سيناقشها الرئيسان خلال القمّة أيضاً، الوجود الأميركي في سوريا، وهو الملفّ الذي شكّل نقطة ارتكاز رئيسة لقمّة طهران، التقت عندها المصالح السورية والتركية والروسية والإيرانية حول ضرورة خروج القوات الأميركية التي تتمركز في المناطق النفطية شرقي البلاد، بالإضافة إلى منطقة التنف في المثلّث الحدودي مع الأردن والعراق. كذلك، سيَحضر مسار «اللجنة الدستورية»، المُعطَّل حالياً بسبب رفض المندوب الأممي إلى سوريا، غير بيدرسن، نقل مقرّ عمل اللجنة من جنيف إلى بلد آخر، بعد تخلّي سويسرا عن حيادها وانضمامها إلى قائمة الدول التي تفرض عقوبات على روسيا. وفي هذا الإطار، عبّرت أنقرة، أكثر من مرّة، عن رغبتها في تقديم دفْعة لعمل اللجنة، التي تمثّل فرصة لتجنّب أيّ عمل عسكري يمكن أن يهدّد المشاريع التركية في الشمال. كما سَحضر، في اللقاء، «مسار أستانة» الذي ينتظر عقد الجولة التاسعة عشرة منه نهاية العام الحالي.
واستبقت تركيا القمّة بتحرّكات ميدانية عديدة في إدلب، حيث استقدمت تعزيزات عسكرية إلى نقاط تمركز قواتها، إضافة إلى إقامة نقطة مراقبة متقدّمة في منطقة جبل الزاوية. وتَرافق ذلك مع قيام وفد عسكري أمني تركي بإجراء لقاءات مع نازحين من قرى جبل الزاوية لدفعهم إلى العودة إلى قراهم، بعد تقديم وعود لهم بتحسين ظروف مناطقهم، ومنع انزلاقها إلى مواجهات عسكرية جديدة، وفتْح طريق حلب - اللاذقية وتسيير دوريات مراقبة. غير أن هذه التحرّكات التركية الشكلية تَوزات مع تصعيد ميداني متواصل من قِبَل الفصائل المتواجدة في المنطقة، عبر استهداف مواقع الجيش السوري، وإرسال طائرات مسيّرة إلى مواقع روسية، من بينها قاعدة حميميم في جبلة، الأمر الذي قوبل بردّ من الجيش السوري والطائرات الروسية.
وخلال السنوات الماضية، نجحت تركيا في تجميد ملفّ إدلب، ولو جزئياً، فيما تمكّنت روسيا من ضمان استمرار التوازن القائم، عبر ربط ملفّ الشمال السوري بالشمال الغربي. غير أن هذه النجاحات المتفاوتة لم تسفر عن أيّ انفراجات ميدانية حقيقية، باستثناء فتح طريق حلب - دمشق، والذي تمّ بعد عملية عسكرية نفّذها الجيش السوري ولم تنجح تركيا في ردعها. ومن شأن ذلك أن يجعل مخرجات القمّة المرتقبة، في ما يتعلّق بالقضية السورية، موضع اختبار حول جدّية التوافقات وما تُحقّقه من انفراجات سياسية أو ميدانية، تُجنّب الأطراف العودة إلى العسكرة، في ظلّ التسخين المستمرّ لخطوط التماس.