الحسكة | على رغم ما أوحت به نتائج قمّة طهران من توافُق على «تأجيل» أيّ تصعيد عسكري في سوريا، سواءً تركي في اتّجاه مناطق سيطرة «قسد» على الشريط الحدودي، أو سوري - روسي في اتّجاه إدلب، ومنْح كلّ طرف فرصة لتطبيق اتفاق سوتشي القاضي بفتْح طريق «M4»، وإبعاد القوات الكردية إلى جنوبه، والفصائل المسلّحة إلى شماله، إلّا أن الجانب التركي استمرّ، خلال اليومَين الفائتَين، بالتلويح بـ«حدوث العملية العسكرية بين عشيّة وضحاها»، على حدّ تعبير وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو. وقال أوغلو إن «تركيا لم تأخذ إذناً من أحد، ولن تفعل، ونحن متأهّبون دائماً لمكافحة الإرهاب»، فيما تَسرّبت إلى الإعلام التركي معلومات حول عقد اجتماع لـ«مجلس الأمن القومي» لبحث عدّة قضايا، أهمّها «الاطلاع على الاستعدادات الخاصة بالعملية العسكرية في اتّجاه الشمال السوري». وعلى المستوى الميداني، تَواصل إرسال التعزيزات العسكرية نحو مدن الشريط الحدودي وبلداته، توازياً مع تسجيل نشاط ملحوظ للطائرات المسيّرة، حيث نفّذت هذه الطائرات 4 ضربات ضدّ أهداف ومواقع لـ«قسد» في عامودا وعين العرب، أدّت إلى مقتل عنصرَين وإصابة آخرين.

وفي المقابل، يُتوقّع أن تُواصل روسيا جهودها في إقناع «قسد» بالابتعاد مسافة 30 كم عن الحدود مع تركيا، وإفساح المجال أمام عودة الجيش السوري إلى كامل الشريط الحدودي، وفرض سيادته التامّة على المنطقة. ومن غير المستبعد أن تلجأ موسكو إلى استثمار اقتراب موعد انتخابات الإدارات المحلّية في عموم سوريا، لدعوة «الإدارة الذاتية» إلى الانخراط فيها، بما يضمن تمثيلها في المجالس المحلّية الحدودية، ويهيّئ بالتالي أساساً لاتفاق شامل مع الدولة. على أن هذه المهمّة الروسية لا تبدو سهلة، في ظلّ تسليط الأميركيين ضغوطاً مستمرّة على القوى الكردية من أجل منْعها من التوصّل إلى أيّ اتفاق مع الحكومة. وفي هذا الاتّجاه، تُواصل واشنطن إرسال إشارات إلى استعدادها لإعادة توسيع حضورها العسكري في المنطقة، وذلك عبر إرسال فرق استطلاعية لاستكشاف «مقرّ الفرقة 17» في مدينة الرقة وإمكانية الشروع بأعمال صيانة هناك، على نحو يوحي برغبتها في العودة إلى قواعد كانت انسحبت منها عام 2019، عشيّة إطلاق أنقرة عملية «نبع السلام». كما رفعت واشنطن من وتيرة نشاطها العسكري المشترك مع «قسد»، من خلال تنفيذ ثلاثة تدريبات بالذخيرة الحيّة خلال أسبوع واحد، في كلّ من قواعد كونيكو والعمر في دير الزور، وقسرك في الحسكة، لتأكيد استمرار الدعم العسكري للقوات الكردية. وتَوازى الجهد الأميركي العسكري، مع نشاط ديبلوماسي فرنسي غير معهود، من خلال زيارة وفد سياسي، برئاسة وزير الخارجية الفرنسي الأسبق برنار كوشنير، إلى مناطق سيطرة «قسد»، حيث التقى قياداتها، وأكد دعم بلاده العسكري لـ«الإدارة الذاتية».

رفعت القوات الأميركية وتيرة تدريباتها المشتركة مع «قسد»


وتفسَّر هذه التحرّكات على أنها ردٌّ على التوافق الروسي - التركي – الإيراني، خلال قمّة طهران هذا الأسبوع، على ضرورة خروج القوات الأميركية من منطقة شرق الفرات، وترجمة للخشية من وجود تنسيق فعلي بين تلك الأطراف الثلاثة على اتّخاذ إجراءات عمليّاتية ضدّ الوجود الأميركي، خصوصاً مع تأكيد الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، خلال القمّة، أن «انسحاب القوات الأميركية من شرقي نهر الفرات في سوريا سيجعل مكافحة الإرهاب أسهل». وانطلاقاً ممّا سبق، لا يُستبعد أن تعيد واشنطن قوّاتها بالفعل إلى الرقة، لكون الأخيرة تبْعد نحو 80 كم عن الحدود التركية، ما يعني ضمان عدم الاصطدام بالقوات التركية في حال شنّت الأخيرة عملية عسكرية جديدة هناك. كذلك، ستحاول واشنطن تقديم مغريات للأكراد، من خلال إدخال قرار استثناء مناطق سيطرة «قسد» من العقوبات حيّز التنفيذ، وخصوصاً تلك المشمولة بقانون «قيصر»، وتهيئة الظروف الأمنية للشركات الراغبة في الاستثمار للوصول إلى المناطق غير المهدَّدة بالهجوم، ومنها الرقة، فضلاً عن إعادة تفعيل مسار المصالحة الكردية - الكردية، من خلال استثمار المؤتمر القادم لأحزاب «المجلس الوطني الكردي»، والمقرَّر انعقاده مطلع الشهر المقبل، لإحياء المسار المذكور، ومحاولة تحقيق تقدّم فيه.
بالنتيجة، يَظهر واضحاً أن التفاهمات المبدئية التي توصّلت إليها كلّ من موسكو وطهران وأنقرة، خلال القمّة الأخيرة، تواجَهُ بنشاط أميركي مضادّ للحفاظ على إمساك واشنطن بالورقة الكردية. وبالتأكيد، فإن الولايات المتحدة تفضّل أن تسيطر تركيا، حليفتها في «الناتو»، على المنطقة الممتدّة من منبج حتى عين عيسى، على أن يسيطر عليها الجيش السوري والقوات الروسية. كما ترى أن عودتها إلى الرقة والعمل على إنعاش مناطق «الإدارة الذاتية»، سيكون بمثابة تعويض مقبول لـ«قسد»، في حال وقعت العملية التركية فعلاً، وخسر الأكراد مناطق جديدة في الشمال.