دمشق | تُعتبر إدلب، أكبر المعاقل التي تتجمّع فيها الفصائل المتشدّدة في سوريا في ظلّ سيطرة «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة) عليها، أحد أكثر الملفّات إشكالية بين كلّ من تركيا من جهة، وإيران وروسيا من جهة أخرى. وقد حاولت أنقرة، على مدار الأعوام الأربعة الماضية، المماطلة في معالجة هذا الملفّ، وتثبيت أمر واقع لصالحها، بالتوازي مع عمليات تبييض لصفحة «جبهة النصرة» تستهدف إعادة تصديرها على أنها فصيل معتدل، ضمن معادلة تشابكت فيها مجموعة من العوامل. وتفرض اتفاقات سوتشي الموقَّعة بين روسيا وتركيا عام 2018، ومتمّمتها عامَي 2019 و2020، على أنقرة، فتح طريق حلب – اللاذقية (M4)، وعزل الفصائل الإرهابية، مقابل إبعاد «خطر الأكراد» في الشمال والشمال الشرقي من سوريا مسافة 30 كلم عن الحدود التركية، وهو ما تعهّدت روسيا بتنفيذه. غير أن التسويف التركي في تنفيذ تلك الالتزامات، التي ظلّت محدّدة بجدول زمني واضح بعد كلّ لقاء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب إردوغان، دفع الروس إلى الردّ بالمثل والمماطلة في حلّ قضية الأكراد، على الرغم من تنشيط دوريات المراقبة المشتركة.

وتعمّد الرئيس التركي، في كلمته التي ألقاها خلال قمّة طهران وفاقت بطولها كلمتَي الرئيس الروسي ونظيره الإيراني، ذكر إدلب في أكثر من موقع. كما تعمّد التشديد على ضرورة الإبقاء على الهدوء فيها، مشيراً إلى أن بلاده «تتفهّم مخاوف جميع الأطراف حول الوضع هناك، لكنها تبذل جهوداً كبيرة في المنطقة وتقدّم الدعم للنازحين على الحدود من دون دعم من دول أخرى». وسبق لإردوغان أن جادل، خلال لقاءات سوتشي السابقة، بالمسائل نفسها، وعلى رأسها وجود أكثر من 1500مخيّم تضمّ مئات آلاف النازحين في ريف إدلب وقرب الحدود مع تركيا، الأمر الذي يمثّل، وفق الرئيس التركي، تهديدات بموجات لجوء جديدة إلى بلاده لا يرغب فيها، في الوقت الذي يحاول فيه أصلاً التخلّص من اللاجئين الموجودين لديه عبر بناء تجمّعات سكنية لهم قرب الشريط الحدودي، من أجل إعادة توطينهم.

ترى موسكو في فتح طريق حلب - اللاذقية خطوة مقبولة ضمن الظروف الحالية


وبالتوازي مع عقد قمّة طهران، وفي اليوم التالي لها، زار وفد أمني وعسكري تركي مناطق عدّة في إدلب، حيث أجرى سلسلة من اللقاءات، بعضها مع ممثّلين عن سكّان قرى على خطّ التماس في جبل الزاوية، حيث يمرّ طريق حلب – اللاذقية. وبحسب مصادر تحدّثت إلى «الأخبار»، فإن الوفد طلب من الأهالي الاستعداد للعودة إلى قراهم، وسط وعود بمنْع تدهور الأوضاع الأمنية والعسكرية خلال الفترة المقبلة، بالإضافة إلى أخرى بتحسُّن اقتصادي كبير، حيث سيتمّ فتح طريق «M4»، ومجموعة من المعابر الاقتصادية التي تربط بين إدلب بشكل عام ومناطق سيطرة الحكومة، مع ضمانات باستمرار وصول المساعدات إلى تلك القرى بدلاً من المخيمات. ونقلت المصادر أن الوفد أكّد أكثر من مرّة أن «ملفّ إدلب لن ينزلق إلى العسكرة»، وأنه «بات مرتبطاً بالحلّ السياسي»، لافتةً إلى أن الوفد أجرى لقاءات مغلقة مع «هيئة تحرير الشام»، تسرّب عنها وجود أوامر تركية واضحة لـ«الهيئة» بضبْط محيط الطريق، ومنْع أيّ محاولات من فصائل منفلتة لعرقلة الاتفاق، ومتابعة العمل على إزالة مظاهر التشدّد. وكان أبو محمد الجولاني، زعيم «النصرة»، بدأ، قبل مدّة، بهذه المهام بالفعل، عبر زيارات لقرى تسْكنها أقلّيات، آخرها زيارة لقرية تقطنها عائلات مسيحية لتطمين الأهالي وإزالة مخاوفهم من «الهيئة»، وذلك بالتوازي مع إدخال تعزيزات عسكرية تركية إلى نقاط تمركز القوات التركية في جبل الزاوية. غير أن الجهود التركية لا يبدو أنها تمكّنت حتى الآن من ضبط الأمن، حيث سُجّلت خلال الساعات الماضية عدّة خروقات لوقف إطلاق النار من طرف الفصائل المسلّحة، بالإضافة إلى محاولة شنّ هجمات بطائرتَين انتحاريتَين على قاعدة حميميم الروسية في جبلة.
ويبدو، حتى الآن، أن ثمّة قبولاً، على مضض، من قِبَل موسكو، التي ترى في فتح طريق حلب - اللاذقية، والمتأخّر نحو أربع سنوات عما اتُّفق عليه، خطوة مقبولة ضمن الظروف الحالية، في وقت ينصبّ فيه اهتمام الدول الثلاث (إيران وروسيا وتركيا) على زيادة الضغوط لإخراج القوات الأميركية من الشمال الشرقي من سوريا، وهي الأرضيّة المشتركة التي بنت عليها إيران قمّتها، وحاولت ترسيخها كونها قد تساهم في فتح الأبواب المغلقة بين دمشق وأنقرة. وبشكل عام، يمكن القول إن الرئيس التركي نجح، إلى حدّ ما، في تجميد ملفّ إدلب، وتجاوُز المعادلة الروسية التي تربط بين منبج وتل رفعت من جهة، وإدلب من جهة ثانية، عبر خطوات صغيرة في الأخيرة مقابل تسليم الأُوليَين للجيش السوري. ومن شأن ذلك أن يؤدّي، في حال تمّت الخطوات المتّفق عليها، ولم تنجح المساعي الأميركية القائمة في عرقلتها عبر الضغط على «قسد» ومنعها من تسليم المدينتَين، إلى تحقيق انفراجة جزئية في الملفّ الإدلبي الشائك، بالإضافة إلى فتح أحد أبرز الطرق الاستراتيجية (M4)، والذي يمتدّ من أقصى الشرق السوري مروراً بحلب وصولاً إلى الساحل السوري، علماً أن الخطّة الروسية، التي أبلغها قائد القوات الروسية في سوريا، ألكسندر تشايكو، لممثّلي «قسد»، خلال لقاء في القامشلي قبل يومين، تقضي بأن تنسحب قواتها من الشريط الحدودي إلى ما بعد الطريق، على أن يتسلّم الجيش السوري المنطقة بما فيها «M4».