أعلن المبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسِن، تأجيل الجولة التاسعة من اجتماعات «اللجنة الدستورية» التي كان من المقرَّر عقْدها في جنيف بين الـ 25 والـ 29 من الشهر الجاري، على نطاق اللجنة المصغّرة. إعلانٌ جاء بُعيد اعتذار وفد الحكومة السورية عن عدم المشاركة، على خلفية رفْض طلب روسيا نقل مقرّ الاجتماع إلى مدينة أخرى، في أعقاب تخلّي سويسرا عن حيادها، وقرارها فرض عقوبات على موسكو شملت السلك الدبلوماسي، لتعيق بذلك مشاركة الروس في اجتماعات «الدستورية». وكانت موسكو قد تقدَّمت باقتراح يقضي بنقل مقرّ الاجتماعات إلى مدينة أخرى في دولة محايدة (مسقط، أبو ظبي، أو الجزائر)، وفق ما أعلن المبعوث الروسي الخاص إلى سوريا، ألكسندر لافرنتييف، لأن استمرار العمل في جنيف، بحسبه، «أصبح صعباً، بسبب الموقف غير الودّي والعدائي لسويسرا» تجاه بلاده.

وفيما شنّ الرئيس المشترك لوفد المعارضة إلى اللجنة، هادي البحرة، هجوماً على دمشق بعد رفضها المشاركة، معتبراً أنها «تضع المصالح الأجنبية كأولوية على مصالح السوريين الوطنية»، ذكرت مصادر معارِضة، لـ«الأخبار»، أن ثمّة مقترحاً تجري دراسته بين روسيا والأمم المتحدة، بعدما عرضت تركيا استضافة اللقاء في إسطنبول. غير أن بيدرسِن رفض هذا الاقتراح، كما رفض مقترحات روسيا السابقة لأسباب وصفها بأنها «بروتوكولية» تتعلّق بالمنظمة الدولية التي تتّخذ من جنيف ثاني أكبر مقرّ لها بعد نيويورك. واعتبر المبعوث الأممي نقل المقرّ «تدخُّلاً روسيّاً في عمل المنظمة الأممية»، وفق المصادر نفسها. ولم يتّضح بعد الموقف الروسي إزاء العرض التركي، كما لم تصدر أيّ ردود فعل عن دمشق حتى الآن، وهو ما يُتوقّع مناقشته خلال القمة الثلاثية بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والإيراني إبراهيم رئيسي، والتركي رجب طيب إردوغان، المقرّرة في العاصمة الإيرانية يوم غد الثلاثاء، والتي ستتطرّق إلى الملفّ السوري وغيره.

لا يبدو أن بيدرسن سيتراجع عن فكرة استكمال الاجتماعات في جنيف


ولم تحقّق «الدستورية»، خلال جولاتها الثماني الماضية، أيّ خرقٍ حقيقي في المشهد السياسي السوري، بعدما تحوّلت تدريجياً، إلى إجراء بروتوكولي، على رغم التفاؤل الكبير الذي أبداه بيدرسن خلال الجولتَيْن الماضيتَين، بعدما قدّمت كل من موسكو وواشنطن دعماً لهذا المسار، وأجرت أنقرة مجموعة تغييرات على هيكلية المعارضة تضمّنت تخفيضاً لتمثيل جماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة في سوريا. وعلى رغم دوران المسار الأممي للحلّ في سوريا في حلقة مفرغة، فقد شكّل، منذ نشأته عام 2018، بوابةً للبحث عن مقاربة لحلّ الأزمة، وهو ما أعطاه زخماً سياسياً وإعلامياً، وخصوصاً أنه نتج من توافق بين الدول الثلاث الضامنة لـ«مسار أستانا» (روسيا وإيران وتركيا). من جهتها، تحاول واشنطن الالتفاف على هذا المسار عن طريق تهميش دور روسيا، عبر زيادة الضغوط الاقتصادية والسياسية على خلفية الحرب الأوكرانية. وخاض هذا المسار، منذ تأسيسه حتى الآن، سلسلة من التغيّرات والمنعرجات، آخرها المبادرة التي أطلقها بيدرسين «خطوة مقابل خطوة»، والتي فيها تعهّد، بعد موافقة واشنطن، بتخفيف القيود المفروضة على دمشق، في مقابل خطوات محدّدة من قِبَلها، الأمر الذي قوبِل برفض سوري وروسي، كونه يعطي شرعية للوجود الأميركي في سوريا.
في هذا الوقت، لا يبدو أن بيدرسن سيتراجع عن فكرة استكمال الاجتماعات في جنيف، وهو ما يهدّد بإنهاء هذا المسار بعد نحو أربعة أعوام على المراوحة. ويأتي التعثُّر الأممي بعد أقلّ من أسبوع على تعثّر مماثل تحت قبة مجلس الأمن، إثر خلاف على ملفّ المساعدات الإنسانية الذي حاولت الولايات المتحدة مواصلة استثماره عبر إدخال المساعدات إلى شمال غرب سوريا، من دون موافقة دمشق، قبل أن يرضخ المجلس للشروط الروسية التي تحاول الانتقال بالحرب السورية إلى مرحلة جديدة تتمّ خلالها إعادة الإعمار بشكل متوازن، ليُصار إلى الخروج بقرار نصّ في متنه على تقديم دعم لقطاع الكهرباء، وزيادة حصة المساعدات التي تدخل تحت إشراف الحكومة السورية.