بعد محاولات حثيثة لحشْر روسيا في الزاوية وإجبارها على تمرير قرار يدعم الآلية المتّبعة في إدخال المساعدات الإنسانية إلى مناطق شمال غربي سوريا، والتي من شأنها ترسيخ الوضع القائم حالياً، نجحت موسكو في إعادة ضبط الآلية، بما يتوافق مع رؤيتها ورؤية حليفتها دمشق. وتستند عملية الضبط هذه إلى ضرورة العمل ضمن خطوط متوازية، تضْمن تقديم دفعة إنعاشية متوازنة لمختلف المناطق السورية بدلاً من حصرها في منطقة واحدة، على أن تتمّ مراقبة الآلية بدقّة، منعاً لمحاولة الالتفاف عليها، أو المماطلة في تنفيذ التعهّدات الغربية المتّصلة بها، والتي كانت شفوية سابقاً وأصبحت الآن مكتوبة بنصّ واضح صادر عن مجلس الأمن


بقرار وافقت عليه 12 دولة، وامتنعت ثلاث أخريات عن التصويت عليه (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا)، خرج مجلس الأمن، أخيراً، بقرار يعيد تنظيم آلية إدخال المساعدات الإنسانية إلى مناطق شمال غربي سوريا، بعد أكثر من شهرين على مداولات ساخنة في أروقة المجلس، ظهرت إلى العلن الأسبوع الماضي، وأنهتها روسيا بـ«فيتو» هو الثامن عشر الذي تستخدمه في قرارات متعلّقة بسوريا منذ بداية الحرب عام 2011. القرار الذي يسمح بإدخال مساعدات لمدّة ستّة أشهر فقط، ويحتاج تمديده لستّة أشهر ثانية إلى قرار منفصل في مجلس الأمن، حمل في طيّاته إقراراً واضحاً، هو الأوّل من نوعه، بضمّ قطاع الكهرباء إلى لائحة مشاريع «التعافي المبكر»، وهو القطاع الذي كانت تحاول واشنطن خنقه على مستويات عدّة، من بينها حظر إعادة إصلاح محطّات تحويل الكهرباء وأدوات البنية التحتية التي تعرّضت للدمار جراء الحرب، بالإضافة إلى تأثّره بالقرارات المتعلّقة بحظر النفط، والتي أدّت إلى تدهور كبير فيه انعكس على شكل انقطاعات كبيرة للتيار، وصلت في بعض الأحيان إلى نحو 23 ساعة يومياً.
وتُولي موسكو اهتماماً واضحاً لملفّ المساعدات الإنسانية، منذ بدأت عملية تنظيمه تحت قبّة مجلس الأمن عام 2014. وهي فرضت، خلال السنوات اللاحقة، إغلاق ثلاثة معابر حدودية والإبقاء على معبر واحد، وفق رؤية تَعتبر استمرار إدخال المساعدات عبر الحدود مساساً بالسيادة السورية وانتهاكاً لوحدة أراضي سوريا. كما أنها عملت، وما زالت، على زيادة كمّيات المساعدات التي يتمّ إدخالها إلى البلاد عبر الحكومة السورية، بحيث تقوم الأخيرة بإعادة توزيعها على المناطق المتضرّرة عبر خطوط التماس، ما يعني زيادة الحواجز أمام تواصل تلك المناطق مع الخارج، وتعميق التقارب بينها وبين الحكومة السورية في المقابل، وبالتالي توسيع مساحة الأرضية المشتركة بما يؤدي في المحصّلة إلى تسريع وتيرة العمل على المسارات السياسية، وأبرزها مسار أستانا. وتُظهر قراءة معمّقة لتفاصيل القرار، حرصاً روسياً على إنهاء تحكُّم واشنطن بملف المساعدات، وتفصيله بما يتوافق مع الأجندة الأميركية التي تقضي بتعميق عزلة الحكومة السورية، في مقابل تقديم دفعات إنعاشية للمناطق الخارجة عن سيطرتها، الأمر الذي يؤدّي في المحصّلة إلى ترسيخ حالة الانقسام القائمة. ويمكن التماس أثر هذه الأجندة بشكل واضح في مناطق سيطرة «قسد»، والتي منحتها واشنطن استثناءات من العقوبات المفروضة على سوريا (عقوبات قيصر)، وتقدِّم لها بشكل مستمرّ مساعدات تهدف إلى تمتين النظام السياسي الوليد في تلك المناطق تحت إدارة حزب «الاتحاد الديموقراطي» الكردي الذي يقود «قسد».
وكان الصراع الذي دار في أروقة مجلس الأمن، مع انتهاء مفاعيل القرار الذي يسمح بإدخال المساعدات، ترافَق مع حملة إعلامية واسعة ضدّ روسيا، التي تمّ تحميلها مسؤولية تجويع نحو 4 ملايين سوري يحتاجون إلى هذه المساعدات، خصوصاً بعد «الفيتو» الروسي على المشروع الذي تَقدّمت به النروج وإيرلندا. والظاهر أن هذا «الفيتو» عاد وأجبر واشنطن على الموافقة على الشروط الروسية، ليتمّ تعديل المشروع المذكور، وإدخال بنود واضحة عليه لجهة دعم قطاع الكهرباء، وزيادة كمّيات المساعدات المرسَلة عبر دمشق (عبر خطوط التماس)، بالإضافة إلى تحديد مدّة 6 أشهر فقط له، وإقرار مراجعة ما تمّ إنجازه بشكل دوري كلّ شهرين. وأمام الظروف التي رافقت الخروج بالقرار، يبدو مفهوماً امتناع كلّ من واشنطن ولندن وباريس عن التصويت عليه - من دون استخدام «الفيتو» ضدّه، ما سمح بتمريره بموافقة 12 عضواً في المجلس، لما عناه من فرْض للرؤية الروسية. وعبّرت عن ذلك المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة، ليندا غرينفيلد، بالقول: «امتنعْت عن التصويت على القرار ما سمح باعتماده من مجلس الأمن، لأن التفويض (الأممي) كان رهينة لدى الاتحاد الروسي»، متحدّثة في الوقت ذاته عن النظر في «جميع الخيارات»، ما يعني بحْث إمكانية إدخال مساعدات من دون موافقة مجلس الأمن. على أن هذا الخيار يتطلّب شراكة مع تركيا التي تُعتبر البوابة الرئيسة لهذه المساعدات، وهو أمر لا يبدو وفق الظروف الحالية ممكن التطبيق، لأسباب عديدة أبرزها التقارب الروسي - التركي من جهة، وإصرار روسيا على تنظيم آليات إدخال المساعدات بشكل متوازن، من جهة أخرى.
بالنتيجة، لم يُنهِ القرار المؤقّت الذي خرج به مجلس الأمن، الصراع السياسي الدائر حول ملفّ المساعدات، وإنّما رحّله لمدّة ستّة أشهر، ما يعني احتمالية عودة اشتعال الصراع السياسي مع انتهاء مفاعيل القرار، وضرورة الخروج بتوافق على تمديده أو البحث عن آليات جديدة مطلع العام المقبل. ويعني ذلك أن الملفّ سيظلّ مربوطاً بالمتغيّرات السياسية الدولية، وأبرزها نتائج الحرب الروسية على أوكرانيا، وما سيكون عليه الموقف الروسي والدولي والأميركي حينها، ومدى قدرة أيّ دولة على فرض شروطها.