بعد أكثر من ثلاثة أشهر من عمليات التحشيد العسكرية، نفّذت تركيا والمجموعات التابعة لها وعودهما، بشنّهما هجوماً واسعاً على ناحية عين عيسى وريفها، حيث تمكّنتا من إحراز تقدّم ميداني في الريف الشرقي للناحية. وأعلن فصيل «أحرار الشرقية»، المدعوم تركياً، في بيان مصوّر، «سيطرة فصائل الجيش الوطني على قريتَي الجهبل ومشيرفة، والوصول إلى الطريق الدولي M4، من الجهة الشرقية لعين عيسى». وتزامن ذلك مع تكثيف الفصائل المسلّحة هجماتها على الريفين الشمالي والغربي لعين عيسى، عبر شنّ هجمات على قرى صيدا، معلك، هوشان، والخالدية، انطلاقاً من قرى أبو خرزة ورمانة وسلوم، وبغطاء مكثّف من المدفعية التركية. في المقابل، أعلنت «قسد»، عبر وسائل إعلام كردية، تمكّنها من «صدّ كل الهجمات على ناحية عين عيسى وأريافها، ومنع الفصائل من تحقيق أيّ تقدّم جديد في المنطقة».

تريد أنقرة، على ما يبدو، تأكيد نياتها في السيطرة على العاصمة الإدارية لـ»الإدارة الذاتية»، وقطع الطريق الحيوي الذي يربط مناطق «الذاتية» في منبج وعين العرب وصرّين بمناطق سيطرتها في الحسكة والرقة ودير الزور. كما تريد تركيا الاستفادة من الموقع الاستراتيجي لعين عيسى لتوسيع خياراتها اللاحقة، وتحويل المدينة إلى قاعدة تهدّد وجود «قسد» في كلّ من الرقة جنوباً، وعين العرب ومنبج غرباً. وتوحي خريطة الهجوم الحالي بمساعٍ لدى الفصائل لتطويق ناحية عين عيسى من ثلاث جهات، بهدف رسم طوق ناري بعمق 2 كلم تقريباً في محيط المدينة، لإسقاطها نارياً، وشلّ حركة «قسد» داخلها. لكن اللافت أن أنقرة لم تعلن رسمياً إطلاق أيّ معركة جديدة باتجاه مناطق «قسد» شرقي الفرات، كما لم تستخدم الطائرات الحربية، واكتفت بتوفير الغطاء المدفعي وعبر الطائرات المسيّرة للفصائل التابعة لها. وربّما عمدت تركيا إلى ذلك لتوجيه رسائل إلى موسكو وواشنطن بجدّيتها في استكمال ملاحقة «قسد»، مع السعي في الوقت نفسه إلى التخفيف من وطأة الهجوم إعلامياً لمنع إثارة الرأي العام العالمي ضدّها، وخصوصاً في ظلّ تصاعد العقوبات الأميركية عليها. وممّا يؤشّر إلى تلك الجدّية، أيضاً، تأكيد الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، في تصريحات أخيرة، أن «تركيا ستمنع القوى الكردية من إنشاء كيانات انفصالية في تركيا وسوريا والعراق».

تستمرّ «قسد» في رفض تسليم المدينة للجيش السوري


وعلى رغم إعلان «قسد»، منذ عدّة أيام، تشكيل غرفة عمليات مشتركة بينها وبين الجيش السوري وروسيا، بهدف تنسيق الجهود لردع أيّ عدوان تركي جديد على المنطقة، إلا أن ذلك لم يمنع أنقرة من التحرّك. وفي هذا السياق، تؤكّد مصادر ميدانية متابعة، لـ»الأخبار»، أن «قسد رفضت طلباً روسياً بتسليم كامل المدينة إلى الحكومة السورية وإعادة كل المؤسسات الإدارية الحكومية إليها، بعد خروج قسد والإدارة الذاتية منها». وتضيف المصادر إن «قسد وافقت على توسيع انتشار الجيش السوري ونشر نقاط أمامية على خطوط التماس مع الفصائل فقط، مع رفض أيّ وجود إداري حكومي في المنطقة»، مستدركة بأن «استمرار الوجود العسكري لقسد ومؤسّسات الإدارة الذاتية التي تصنّفها تركيا إرهاباً سيعطي الأخيرة ذريعة لاستمرار شنّ الهجمات وتوسيعها في المنطقة».
في المقابل، اتّهم «مجلس سوريا الديموقراطية»، على لسان رئيسته أمينة عمر، في تصريحات إلى وسائل إعلام كردية، «موسكو، بالتقاعس في حماية مدينة عين عيسى من الهجمات التركية». ورأت عمر أن «روسيا مسؤولة عمّا يجري في عين عيسى؛ لكونها مسؤولة عن حماية المنطقة»، معتبرة أن «موسكو لا تقوم بواجبها لوقف تلك الهجمات»، مضيفة إن «موسكو تضغط على قسد لتسليم ناحية عين عيسى للنظام السوري». وحاولت «قسد» الضغط على روسيا، من خلال الدفع بعدد من أنصارها للتظاهر أمام القاعدة الروسية في بلدة تل السمن في الريف الجنوبي لمدينة عين عيسى، لمطالبتها باتّخاذ إجراءات توقف الهجمات التركية على المنطقة. وفي ظلّ استمرار رفض «قسد» تسليم المدينة للجيش السوري، والاكتفاء بوجود رمزي لحرس الحدود لا يُمكّنه ميدانياً من صدّ الهجمات، يبدو وارداً تكرار سيناريو عفرين وتل أبيض ورأس العين في عين عيسى، فيما تعمل موسكو على تجنيب المدينة هذا السيناريو، من خلال التنسيق لتسليمها سريعاً إلى الجيش السوري، والعمل على إدخال المؤسّسات الحكومية كافة إليها، لنزع ذرائع أنقرة في استمرار الهجمات عليها.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا