قبيل تسلّم الإدارة الأميركية الجديدة، برئاسة الرئيس المنتخَب، جو بايدن، الشهر المقبل، زمام الحكم في الولايات المتحدة، تُطرح المسألة السورية من ضمن الملفّات الساخنة الثقيلة في إرث إدارة الرئيس المنتهية ولايته، دونالد ترامب، وفريقه، بدءاً من التواجد العسكري الأميركي المستمرّ في منطقة شرق الفرات حتى بعد الإعلان عن هزيمة تنظيم «داعش»، وفي مقابله التواجد الإيراني الذي يتذرّع به بعض مسؤولي الإدارة المنصرفة لإبقاء القوات الأميركية في شرق الفرات، وصولاً إلى عواقب قانون «قيصر» بعدما اقترب من إتمام نصف عامه الأول في التطبيق العملي، وانعكاساته على الحكومة السورية من جهة، والشعب من جهة أخرى.

قبل يومين، طرح السفير الأميركي السابق لدى سوريا والجزائر، والباحث في «معهد الشرق الأوسط في واشنطن»، روبرت فورد، في مقالة كتبها في جريدة «الشرق الأوسط» السعودية، هذه التحدّيات مجتمعة، في ظلّ تصريحات موازية لمسؤولين حاليّين وسابقين في الإدارة الأميركية، ولا سيما المبعوث الأميركي السابق إلى سوريا، جيمس جيفري، الذي استقال أخيراً من منصبه. وتساءل فورد في مقالته عن جدوى السياسة الأميركية في سوريا مع انتهاء ولاية ترامب، واقتراب ولاية بايدن. وانطلاقاً من تصريحات «مسؤول كبير من وزارة الخارجية الأميركية»، كما وصفه فورد، أمام إحدى لجان «الكونغرس» الأسبوع الماضي، عن أن «الهزيمة الدائمة لتنظيم داعش الإرهابي في سوريا، وانسحاب القوات الإيرانية من هناك، مع الوصول إلى حل سياسي دائم للأزمة السورية، باتت جميعها في متناول الأيدي»، يرى فورد ضغوطاً متزايدة في الوقت الذي لا يلمس فيه أيّ «إنجازات تساعد الجانب الأميركي على المدى البعيد، أو ربّما تساعد السواد الأعظم من المدنيين السوريين في شيء». وكما بعض المسؤولين الأميركيين، يعتبر السفير السابق أن «الوجود العسكري الأميركي في شرق سوريا لم يعد في حقيقة الأمر يتعلّق بمحاربة تنظيم داعش كما هو معلن». وهذا يتوافق مع ما قاله جيفري بوضوح في مقابلة مع موقع «ذي مونيتور» قبل أيام: «لقد أسقطنا داعش ولم نغادر أماكننا هناك».

جدوى العقوبات الاقتصادية
يسأل فورد عن «حالة عدم الالتزام السياسية لدى إدارة ترامب في دعم وتمويل قوات سوريا الديموقراطية»، إذ تريد الحكومة الأميركية من «قسد» أن تستفيد من العائدات النفطية هناك لأغراض التمويل، وتتذرّع بهذا السبب لإدامة سيطرتها على حقول النفط في شرق الفرات، بالإضافة إلى ممارسة مزيد من الضغوط المالية والاقتصادية على الحكومة السورية. وانطلاقاً من النقطة الأخيرة، يقول جيفري: «صعّدنا ضغوط الحصار والعزلة على الأسد، وحافظنا على طول الخطّ على منع أيّ مساعدة لإعادة الإعمار التي يحتاج إليها البلد، أرأيتم ماذا حلّ بالليرة السورية؟ أرأيتم ماذا حلّ بالاقتصاد السوري؟ لقد كانت استراتيجية مفيدة جداً». وهنا، يعارضه فورد، إذ يتساءل: «لماذا يُعتبر اصطفاف المواطنين السوريين في طوابير طويلة ومرهقة من أجل شراء الاحتياجات الأساسية مثل الخبز والوقود من إنجازات ونجاحات الولايات المتحدة؟ فإن كان الغرض من وراء ذلك هو إجبار بشار الأسد على تقديم تنازلات، فإن الحقيقة تعكس بوضوح أنه لا يزال يرفض تنفيذ الإصلاحات السياسية الجادّة». ويؤكّد فورد، أنه «في نهاية الأمر، فإن الطوابير الطويلة من أجل شراء الخبز تعني المزيد من معاناة المدنيّين السوريّين، ولكن مثل هذه الصفوف الممتدّة لا تعني أبداً أن هناك صفقة سياسية وشيكة أو انتصاراً أميركياً بات في متناول الأيدي!».

الصفوف الممتدّة لشراء الخبز لا تعني أن هناك انتصاراً أميركياً


ويذكّر فورد بأن غالبية الطبقة السياسية في واشنطن تساند فرض العقوبات على الحكومة السورية، «غير أنهم يسارعون في الوقت نفسه إلى الزعم بأن العقوبات الاقتصادية غير ذات تأثير على المدنيين السوريين العاديين (...) لكن العقوبات الأميركية تزيد من وطأة المشاكل الاقتصادية على المواطنين السوريين وتحيل أوضاعهم المعيشية من سيّئ إلى أسوأ». ويستفيض في شرح آثار العقوبات الاقتصادية على المواطنين السوريين، ويطالب ما يصفه بـ«المعسكر المؤيّد للعقوبات الاقتصادية في واشنطن» بأن «يلتزم المصداقية بأن العقوبات تزيد من صعوبة وصول المساعدات الإنسانية. إذ تعكس التقارير الواردة في الصيف الماضي عن منظمة أوكسفام البريطانية للمساعدات الإنسانية، وعن البروفسور جوزيف ضاهر، أن العقوبات الاقتصادية تُرهب المصارف حتى تُحجم عن المجازفة بتحويل الأموال لمصلحة مشاريع المساعدات الإنسانية في سوريا». إذاً يقرّ فورد، بخلاف جيفري، بأن العقوبات الاقتصادية على سوريا، ولا سيما قانون «قيصر»، لا تمثّل نجاحاً للسياسة الأميركية في هذا البلد، بل على العكس هي تزيد من معاناة المواطنين، بينما لا تحقق أي تقدّم على طريق دفع الحكومة إلى الرضوخ وتغيير سياساتها، بحسب الرغبة الأميركية.

فجوة في الاستراتيجية
يتحدّث فورد، أيضاً، عن «فجوة كبيرة في الاستراتيجية الأميركية لمواجهة داعش في سوريا»، ويرى أن وجود القوات الأميركية هناك مستمرّ، «ليس لحماية حقول النفط من عناصر (داعش) فحسب، وإنما للحيلولة دون استيلاء الروس ونظام بشار الأسد عليها». إذ، بحسب تقرير صادر عن مكتب المفتش العام في وزارة الدفاع الأميركية الشهر الماضي، «أصبح التنظيم الإرهابي أكثر ضعفاً ووهناً إلى شرق الفرات الذي تسيطر عليه القوات الأميركية وشركاؤها من قوات سوريا الديموقراطية. وبلغ الضعف بذلك التنظيم أنه لا يستطيع السيطرة على الأراضي هناك». إذاً، فما مبرّر بقاء القوات الأميركية في سوريا؟ يجيب جيفري: «قلنا لهم (أي لإدارة ترامب) إنكم إذا لم تعالجوا التواجد الإيراني في سوريا فلن تنجحوا بالحرب ضدّ داعش، وتذرّعنا للإدارة بالحرب ضدّ الإرهاب لتبرير الحملة الجوية الإسرائيلية على أهداف إيرانية في سوريا، وهكذا صنعنا سياسة في سوريا، تدخل في صلب سياستنا الإيرانية العامة، وكانت نتيجتها ناجحة نسبياً».
وحول رغبة ترامب في سحب القوات من سوريا، يقول جيفري إن «الرئيس غير مرتاح لوجودنا في سوريا. كان منزعجاً جداً مما اعتبره حروباً لا نهاية لها (...) أسقطنا الخلافة (داعش) ثمّ بقينا. ظلّ ترامب يسأل: لماذا لدينا قوات هناك؟ ولم نعطه الإجابة الصحيحة». ويضيف: «في وزارة الخارجية، لم نكشف للرئيس عن عدد القوات في سوريا. إنها ليست وظيفتنا. لم نحاول خداعه. لكننا كنا نعطيه أرقاماً أقلّ بكثير من الأرقام الفعليّة (...) الأرقام كانت مضحكة. هل تحصي الحلفاء الذين لا يريدون الكشف عن هويتهم هناك؟ هل تشمل ثكنة التنف؟ هل تحسب أن وحدة برادلي تأتي وتذهب؟». ويزيد قائلاً: «كنا خجولين لأن الرئيس أعطى الأمر بالانسحاب ثلاث مرات (ولم يتمّ الانسحاب)... أتفهّم مخاوفه في شأن أفغانستان. لكن المهمّة في سوريا هي الهدية التي تستمرّ في العطاء. نحن وقوات سوريا الديموقراطية ما زلنا القوة المهيمنة في شمال شرق سوريا». إذاً هذه هي الفجوة التي تحدّث عنها فورد؛ إذ أن التفويض الممنوح للقوات الأميركية من «الكونغرس» للعمل في سوريا هو تفويض للعمل ضدّ «داعش»، لكن ما تُظهره الوقائع الميدانية، بالإضافة إلى تصريحات جيفري، فإن التنظئم قد انتهى، وبقاء القوات الأميركية ليس إلا اتّساقاً مع سياسة واشنطن ضدّ طهران، بالإضافة إلى تشديد الحصار الاقتصادي على دمشق، وقد كان هو وفريق الخارجية بقيادة، مايك بومبيو، يمارسان نوعاً من الخداع والكذب على الرئيس والإدارة، لإبقاء القوات الأميركية في سوريا.
يخلص فورد، في نهاية مقالته، إلى أنه مع تسلُّم فريق الرئيس المنتخَب الإدارة الشهر المقبل، فإنه سيكون «بحاجة إلى التفكير العميق في حقيقة الأولويات الأميركية في سوريا، والآثار المترتبة على سياسات إدارة الرئيس ترامب هناك، وحقيقة ما يمكن - وما لا يمكن - للولايات المتحدة إنجازه على أرض الواقع في سوريا». وفي هذا دعوة صريحة إلى إعادة النظر في السياسة الأميركية في سوريا، إذ لم تحرز هذه السياسة أيّ تقدّم يُذكر في سبيل تحقيق أهداف واشنطن، فالحكومة السورية لا يبدو أنها في صدد تقديم تنازلات سياسية بسبب الضغوط الاقتصادية، كما أنها تابعت عملياتها ضدّ الفصائل المسلحة في إدلب، وهي تواصل عملياتها أيضاً ضدّ «داعش» في مناطق غرب الفرات. كذلك، فإن التواجد الإيراني في سوريا لم يتأثّر بالوجود العسكري الأميركي في شرق الفرات، ولا حتى بالحملات الجوية الإسرائيلية التي دعمتها إدارة ترامب.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا