في مطلع تموز/ يوليو الماضي، فوجئ السوريون بقرار وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك رفع سعر مادّتَي السكّر والأرز المدعومتين بأكثر من 100%. لكن الوزارة عادت بعد 24 ساعة وخفّضت السعر بنسبة 50%، وذلك تحت ضغط الانتقادات الواسعة التي طاولتها. وفي 20 تشرين الأول/ أكتوبر، رفعت الحكومة السورية سعر ليتر البنزين بنسبة 100%، بعد رفعها سعر المازوت الصناعي والتجاري غير المدعوم بنحو 100% أيضاً. وفي الـ29 من الشهر نفسه، رفعت الوزارة سعر الخبز بنسبة 100%. سبق هذه القرارات مجتمعةً تأكيدُ وزارتَي التجارة الداخلية والنفط أن لا نيّة لزيادة أسعار المشتقات النفطية والمواد التموينية، وأن «مادة الخبز لا تزال تحظى بدعم الدولة»، وفقاً لرئيس الحكومة، حسين عرنوس، الذي طمأن إلى أن «الرغيف لن يُمسّ إلّا في الحدود البسيطة». لكن الحكومة تجاوزت تلك الحدود بمراحل، حيث رفعت سعر الخبز ثلاث مرات منذ اندلاع الأزمة في عام 2011.

«تُكلّف ربطة الخبز الدولة السورية 700 ليرة، فيما تُباع للمواطن بـ100 ليرة». بهذه المعادلة برّرت الحكومة رفع سعر الخبز أخيراً. لكن عضو البرلمان السابق، نبيل صالح، يصف تلك التبريرات بـ«السخيفة»، موضحاً في تصريح إلى «الأخبار» أن «الحديث عن خسائر الدولة في الخبز وهميّ»، لأن «مَن ينتج الرغيف عملياً هو الفلّاح الذي ينتج القمح والعامل الذي يخبزه، بينما يقتصر دور الحكومة على تنظيم بيعه»، مضيفاً أن «من حق الناس الحصول على الخبز مجّاناً كما هو الحال مع الماشية التي يطعمونها هذا الخبز بعد ساعات، لأنه لا يعود صالحاً للاستهلاك البشري». ويختم صالح بالقول: «حتى السجناء والمجرمون يحصلون على خبزهم من دون عناء». من جهته، يبيّن الصناعي عاطف طيفور، في حديث إلى «الأخبار»، أن «الاستهلاك اليومي لسوريا من الخبز يبلغ 5000 طن، والارتفاع الأخير بمقدار 25 ليرة للكيلو الواحد يعادل 137 مليوناً يومياً، أي بقيمة إجمالية سنوية لا تتجاوز 50 ملياراً»، وبرأي طيفور، فإن «هذه الـ50 ملياراً لا تستحق رفع السعر بحجة الخسارة، طالما أنه بالإمكان تعويض الكتلة المحدّدة لها من بند آخر».

ستستمرّ الحكومة في سياستها هذه لانعدام الخيارات أمامها


مع هذه الزيادات في الأسعار، أصبح الخبز يستهلك جزءاً مهمّاً من دخل السوريين، ولم يعد الحصول عليه بالنسبة إليهم أمراً سهلاً أبداً، وعليه هم يترقّبون خطوات الحكومة في المرحلة المقبلة لناحية رفع أسعار الغاز والكهرباء. وفي هذا الإطار، يفيد مصدر مطّلع «الأخبار» بأن «استهلاك سوريا اليوم من الكهرباء يبلغ ربع استهلاكها في عام 2011، ما يعني أن كلفة الدعم على الطاقة الكهربائية منخفضة، ومع ذلك، لا تزال سوريا تواجه مشكلة مالية خطيرة بهذا الخصوص»، معتبراً أنه «ليس أمام الدولة من خيارات إلا الذهاب لمزيد من التحرير ورفع الأسعار، لتأمين بعض الوفورات للخزينة». وكان وزير المالية، كنان ياغي، أعلن أن «رفع سعر المازوت الصناعي حَقّق وفراً بقيمة 3000 و70 ملياراً من الدقيق التمويني»، لكن هذه الوفورات، وفقاً للمصدر نفسه، «سرعان ما ستتبخّر، وتبدأ الدولة بالبحث عن وفورات أخرى، لأن القدرات الإنتاجية للاقتصاد السوري تمّ ضربها بشكل تفصيلي، والقدرات الاستهلاكية للمواطن، وهي أحد مصادر النموّ، تتآكل بشكل كبير». وعليه، «ستستمرّ الحكومة في سياستها هذه لانعدام الخيارات أمامها، ولأنها مطمئنّة إلى أن الناس مُتعبون ولن يحتجّوا أو يتحرّكوا» بحسب المصدر نفسه.
على أن مشاهد تجمّع الناس في طوابير وأقفاص أمام الأفران للحصول على ربطة خبز، في ظلّ حديث وزارة التجارة الداخلية المتكرّر عن صعوبة تأمين الدقيق نتيجة العقوبات، تقابلها على الضفة الأخرى طوابير للحصول على أحدث إصدار لجهاز خلوي من شركة «أبل» الأميركية «iphone 12 -iphone 12 pro»، الأمر الذي يعني وفقاً للخبراء الاقتصاديين أن «طريق الترف سالكة إلى سوريا»، وأن «سوق استيراد الكماليات تستطيع أن تتجاوز العقوبات حتى لو كانت الشركة المستورِدة معاقَبة». وفي هذا الإطار، تشير بيانات «مركز التجارة الدولي» (ICT) إلى تصدّر الهواتف الذكية قائمة المستوردات السورية لعام 2019، وتوضح البيانات أن «الكتلة الأكبر من المستوردات السورية كانت من المعدّات الإلكترونية، وبلغت 259 مليون دولار، منها 241 مليون دولار من دولة الإمارات العربية المتحدة، معظمها أجهزة هاتف للشبكات الخلوية، وهي تعادل مستوردات الحبوب والسكر مجتمعة في عام 2019، حيث وصلت إلى 138 مليون دولار للأرز والقمح والطحين والذرة، و120 مليون دولار للسكر».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا