مرّة جديدة، كانت سوريا على موعد مع اندلاع حرائق على نطاق واسع، وبتوقيت واحد فجر يوم الجمعة الفائت، أثار الشكوك حول ما إذا كانت الحرائق مفتعلة لأهداف سياسية أو عسكرية. لكن تلك الشكوك لم تجد طريقها نحو الحسم، في ظلّ غياب الحديث الرسمي عن عمل تخريبي أو إرهابي، لتظلّ الرواية السائدة هي أن المناخ الجاف، ومعه الرياح الشرقية القوية، كانا العامل الرئيس في اتّساع رقعة الحرائق، لتشمل مساحات جديدة لم تطلها سابقاً، ولتكون هذه الموجة هي الأقسى منذ الصيف الفائت.

وبلغت خطورة النيران أعلى مستوياتها في اللاذقية، عندما وصلت إلى الأكواخ الشاطئية في منطقة البسيط، وأحرقت بعضها، قبل أن تستعر في شرق اللاذقية، لتصل إلى القرداحة، ممتدّة إلى مستودعات التبغ المركزية، ومتسبّبةً بانهيار أجزاء من مباني «الريجي»، ومن ثمّ إلى «مشفى القرداحة الوطني»، دافعةً الجهات المعنيّة إلى إخلاء المرضى إلى «مشفى جبلة الوطني». ويوم أمس، استمرّت الحرائق في التهام الأراضي، حتى وصلت إلى الحفة شرق اللاذقية، وإلى جبال قلعة قحطان، ومحيط وادي الملوك السياحي. ولو لم يسارع رئيس بلدية الحفة إلى التحذير من وجود 150 طناً من مادّة نيترات الأمونيوم في مستودعات المصرف الزراعي في الحفة، ليصار لاحقاً إلى نقلها وتأمينها في مناطق أخرى، لكانت وقعت الكارثة. وخلّفت الحرائق في اللاذقية ثلاث وفيات و70 مصاباً بالاختناق، وأدّت إلى نزوح مئات المدنيين، فيما سُجّلت عمليات إجلاء لعدد من سكان قرية بسوت شرقي جبلة، قبل أن يعود السكان إلى منازلهم أمس، عقب إخماد الحرائق وتبريد محيطها.
وفي طرطوس، سُجّلت 10 حالات اختناق جرّاء اشتعال 59 حريقاً. وعانت المحافظة، هي الأخرى، من انتشار متسارع للحرائق التي وصلت حتى قمة جبل السيدة، وهاجمت كنيستها في ريف طرطوس الجنوبي الشرقي، على الحدود الإدارية بين حمص وطرطوس، وصولاً إلى بلدة كفرون حيدر في منطقة الكفرون المجاورة لمشتى الحلو، ما اضطّر بعض العائلات إلى مغادرة منازلها بفعل اقتراب الحرائق منها. وبعد إخماد النيران والسيطرة عليها في اليوم الأول، عادت إلى الاشتعال بصورة أكبر في اليومين الثاني والثالث، ابتداءً من قرى بانياس على الساحل السوري شمالي طرطوس، وكذلك في نقاط الدريكيش والقدموس ووادي العيون في ريف طرطوس، والتي احترقت بعض أراضيها المزروعة بالرمان والتفاح.

لم تقم الحكومة بأيّ إجراء لتفادي وقوع كلّ هذه الحرائق


من جهتهما، أرسلت محافظتا ريف دمشق والقنيطرة وحدات من الإطفاء لمؤازرة الدفاع المدني في نقاط انتشار الحرائق على الساحل، حيث عملت تلك الوحدات مع الجيش وقوى الأمن الداخلي، بمساعدة مباشرة ومكثّفة من الأهالي، على تطويق الحرائق وصولاً إلى إخمادها بشكل كامل يوم أمس، وتبريد المناطق التي استهدفتها، «مع إبقاء المراقبة المستمرّة على البؤر التي يُخشى من تجدّد النيران فيها، وامتدادها باتجاه مناطق جديدة، في ظلّ استمرار الحالة الجوية السائدة المترافقة مع الرياح الشرقية»، بحسب مدير الأحراج في وزارة الزراعة حسان فارس.
وفي حين رفع بعض المزارعين والأهالي أصواتهم، محمّلين الحكومة مسؤولية جزء ممّا حصل، على اعتبار أنها كانت قد تعهّدت، عقب الحرائق الأخيرة قبل شهر، باتخاذ كلّ التدابير والإجراءات اللازمة لمنع تكرار ما حصل، إلا أنه اتضح أن تعهّداتها تلك ظلّت في إطار الكلام، على اعتبار أن آلاف الدونمات الزراعية عادت واحترقت، ومعظمها بساتين مزروعة بالزيتون، الذي يُعدّ مصدر دخل أساسياً لسكان الجبال والقرى، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه «حتى لو أمكن إعادة الأشجار، فإنها ستحتاج الى عشرات السنين لتعود إلى إنتاجيّتها»، بحسب المزارعين.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا