ليس ظهور بوادر أزمة خبز في سوريا مفاجئاً؛ ذلك أن مؤشرات الأزمة بدأت قبل نحو ستة أشهر. وفي وقت لا تزال تتفاوت فيه حدّتها بين مدينة أخرى، تنال العاصمة دمشق الحصّة الأكبر من الازدحام أمام الأفران والمخابز، ومنها فرن حيّ الشيخ سعد، حيث يصطفّ الناس في طوابير للحصول على الخبز بسعره المدعوم: 50 ليرة سورية من نافذة الفرن، و60 ليرة من المعتمد. وعلى بعد عشرات الأمتار، لن يكون من الصعب ملاحظة أشخاص يبيعون خبزاً حصلوا عليه بعد اصطفافهم في الدور، ولكن بسعر أعلى يصل إلى 200 ليرة.

وفقاً للقوانين الناظمة، يجب أن يكون وزن ربطة الخبز 1300 غرام، أي ما يعادل سبعة أرغفة بالقياس المعتمَد تموينياً، أو ثمانية بالوزن المنصوص عليه سابقاً. ولطالما أكد مديرو التموين في تصريحاتهم أنهم «سيَقصّون أيدي المتلاعبين بالخبز». لكن مع ذلك، لا يزيد وزن الربطة في عشرات الأفران اليوم على 800 غرام. خليل، وهو صاحب فرن، يقول لـ»الأخبار»: «نحن فعلاً نبيع الربطة 800 غرام أو أكثر بقليل، وبعلم التموين، لأن ما بقى توفّي معنا، سعر كيس الربطة النايلون صار 25 ليرة سورية، بقى كيف بدها توفّي معنا!». يعلّق المدرّس جمال على حديث صاحب الفرن: «مو مشكلتنا إذا ارتفع سعر الكيس، هي مشاكل بيحلّها الفرن مع التموين، مو يطالعها من راسنا لأنو فلان بالتموين عم يقبض حصتو الشهرية».
لا تعتبر الجهات الحكومية، إلى الآن، أن ثمّة أزمة خبز في البلاد. ولكن، نتيجة ما تراه هدراً للطحين، قرّرت بيع الخبز عبر البطاقة الذكية لتقنين البيع والالتزام بالحصص، لينضمّ بذلك الخبز إلى البنزين والمازوت والسكر والأرز، التي تباع كلّها عبر البطاقة الذكية. إلا أن البيع عبر البطاقة أدّى، في غير مرّة، إلى الازدحام وازدياد الطلب، وبالتالي افتعال أزمة بدل حلّها. هكذا، بدأ البيع عبر البطاقة في عدّة محافظات، وهو ما سيصير أمراً واقعاً في بقية المحافظات خلال أيام، بحسب الوزارة التي نشرت كتاباً تحدّثت فيه عن إحصائيات لأعداد الأسر السورية، وقسّمتها إلى شرائح على النحو الآتي: كلّ عائلة مكوّنة من شخص إلى اثنين يحق لها الحصول على ربطة خبز يومياً، ولكلّ عائلة من ثلاثة إلى أربعة أشخاص ربطتان، ومن خمسة إلى ستة أفراد ثلاث ربطات، أما سبعة وما فوق فأربع ربطات.
وكانت «الإدارة الذاتية» الكردية في شرقي الفرات قد منعت إدخال شحنات القمح إلى المناطق الخاضعة للحكومة، بدعوى الحفاظ على الاحتياطيّ من المادّة، التي سُجّل إنتاج نحو 900 ألف طن منها في عام 2019، وفي العام الذي سبقه نحو 350 ألف طن، اشترت دمشق منها 100 ألف طن، أي حوالى 40%. في العام الجاري، وإضافة إلى المنع الذي أقرّته القيادة الكردية، فقد حدّدت سعر القمح بالدولار الأميركي الثابت، ما وضع دمشق في موقف صعب لناحية تدنّي السعر الذي عرضته بالنسبة الى السعر الكردي. ومع الإجراءات الكردية هذه، مضافة إلى قانون «قيصر» وعقوباته التي تمنع دمشق من الحصول على حاجتها من القمح عبر الاستيراد، فإن سوريا اليوم أمام احتمال استفحال أزمة القمح، وبالتالي الخبز، الذي يعتبر أساس غذاء السوريين.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا