بعد مرور قرابة عامين على إتمام ما عرف بـ«تسوية الجنوب»، دوّى انفجار كبير على الطريق الواصل بين بلدة كحيل ومدينة بصرى الشام، في ريف درعا الشرقي. الانفجار كان عبارة عن تفجير عبوة ناسفة ثقيلة، مزروعة إلى جانب الطريق، عند مرور آلية تنقل عدداً من العسكريين الجدد، ذوي بطاقات التسوية، الذين يعملون ضمن الفيلق الخامس في الجيش السوري، ما أدى إلى مقتل 8 عناصر وجرح نحو 20.

منذ اتفاق التسوية في صيف العام 2018 والمنطقة الجنوبية تقع تحت الرعاية الروسية المباشرة. «مرجعية» السكان في البلدات التي تعرف بـ«بلدات التسوية»، ليست السلطات السورية، بل القوات الروسية المنتشرة في نقاط وثكنات عديدة في المنطقة. يتولّى العسكريون الروس فضّ نزاعات بين فصائل مسلحة، أو بين عشائر، ويتّصلون بالوجهاء. طريقة عمل الروس في الجنوب واضحة: يبدأ الأمر بالتواصل مع المجموعات المسلحة مباشرة أو عبر وسطاء، ثم اتفاق وتسوية، بعدها انضمامٌ إلى آلاف المسلحين السابقين العاملين تحت إشراف روسي. وفي المقابل، تتعهّد القوات الروسية بتأمين الحماية للأفراد (من ملاحقة الأجهزة الأمنية الرسمية بشكل خاص)، وتضمن لهم الاحتفاظ بالنفوذ، إضافة إلى الإعفاء من الخدمة الإجبارية في الجيش السوري، وتقدّم لهم بطاقات أمنية تعرّف عنهم على الحواجز.

ثأراً من التسويات
بالعودة إلى التفجير الأخير، الذي وقع قبل أيام، فإنه استهدف بالضبط أسلوب العمل الروسي هذا. حيث استهدف عناصر من الفرقة 15 التابعة للفيلق الخامس، العامل تحت الإشراف الروسي المباشر. وهؤلاء العناصر هم أنفسهم جماعة أحمد العودة، وهو قيادي فصائلي سابق، انضم إلى أعمال التسوية، ويتمركز بشكل أساسي في بصرى الشام في ريف درعا الشرقي، وهو مساهم أساسي في إتمام التسويات مع الروس. ويُعتقد لدى القادة الأمنيين في المنطقة الجنوبية أن التفجير أتى رداً على اتفاق بصرى الشام الأخير. حيث عُقد قبل نحو 10 أيام، بحسب مصادر «الأخبار»، اجتماع ضمّ عدداً من الجنرالات الروس من قادة الفيلق الخامس، ومسؤولي اللجنة الأمنية في درعا، ومندوبين من اللجنة المركزية للمصالحة، ومجموعة من قادة المسلحين السابقين (منهم أحمد العودة). وفي الحصيلة تم الاتفاق على ما يلي:
1- إقامة دورة تدريبية تضم المنشقّين والمتخلّفين عن الخدمة العسكرية. ويقدّر عددهم بأكثر من 10 آلاف شخص.
2- مدة الدورة ستكون 15 يوماً، وتم البحث في تسوية وضعهم الأمني، وعدم اعتراضهم من قبل الحواجز العسكرية.
3- تطويعهم ضمن صفوف الجيش السوري داخل بلداتهم من دون أجر.
4- السماح لمن يرغب بالانضمام إلى صفوف الفيلق الخامس، على أن يشارك في عمليات الفيلق الحربية أينما طُلب.
5- البدء بإنشاء قواعد للفيلق الخامس في منطقة درعا.
إذاً، من يقف خلف التفجير الأكبر، في سياق تقاتل الفصائل حول التسويات، هو بوضوح يطلق النار على أسلوب العمل الروسي، ويهدف إلى إبعاد أي فصيل أو مجموعة عن الانخراط في تسويات، لن يقدر الروس على حماية المنخرطين فيها من انتقام الفصائل الرافضة، كما يحمونهم من سلطة الدولة. وفي البحث عن الجماعة المنفّذة، فإن الشبهات تدور حول «جماعة الكناكري»، وهم مسلحون رافضون للتسويات، ولديهم تسليح جيّد، موجودون في طفس ومحيطها، في الريف الغربي لدرعا. لكنّ مصادر أمنية رسمية أخرى أكدت أنه «حتى الساعة لا اتهام نهائياً»، وجرت العادة على أن لا يبذل أحد مجهوداً كبيراً في البحث عمن يقوم بتفجيرات من هذا النوع، إذ تُعتبر تفجيرات «مسلّحين بين بعض»! وفي الحقيقة، ليست مهمة هنا هوية المجموعة التي نفّذت التفجير، بقدر أهمية تحديد السياسات الأمنية والعسكرية التي سمحت ببقاء مجموعات تملك قدرة عالية على القيام بأعمال أمنية وعسكرية.

«قلقٌ» من عمل الجيش
قبل ثلاثة أشهر، شنّ الجيش السوري عملية عسكرية في مدينة الصنمين في ريف درعا الشمالي، ضد فصائل مسلحة متحصّنة داخل المدينة. وبحسب مصدر عسكري سوري، فإن العملية «تمّت بشكل تلقائي وسريع، ولم تكن منسّقة مع الروس». وبعد انتهاء العملية، شهدت المنطقة حراكاً روسياً واضحاً، لمنع تكرار عمليات مماثلة، كما أبدى الضباط الروس «قلقهم» من عمليات كهذه، لدى قيادة الأركان في الجيش السوري، بحسب المصدر العسكري نفسه. وفي هذا السياق، كان من المفترض أن تجري عملية عسكرية أخرى، ضد مجموعات مسلحة تتحصّن في طفس في ريف درعا الشمالي الغربي، إضافة إلى أن بعض الفارّين من معركة الصنمين قد دخلوا إلى طفس، لكن سارعت الشرطة العسكرية الروسية إلى الانتشار حول البلدة، خوفاً من تكرار سيناريو الصنمين، وتعهّدت بإتمام اتفاق تسوية لم يُنجز حتى اليوم. يعلّق مصدر عسكري سوري بالقول إن «الروس يربّون أعداءهم بأنفسهم... اليوم هنالك في طفس غرفة موك مصغّرة، وهم يقودون أغلب الحراك العسكري والأمني الجنوبي، وربما كان التفجير من تدبيرهم».

الضغوط الروسية حالت دون تنفيذ عملية عسكرية في طفس على شاكلة الصنمين


المنطقة الجنوبية بشكل عام، حالياً، لا تضم طرفاً واحداً قادراً على ضبط إيقاعها أمنياً، إذ تتداخل سلطات ونفوذ القوى فيها، من الجيش السوري والأجهزة الأمنية، إلى الشرطة العسكرية الروسية والفيلق الخامس العامل بإشرافهم، إضافة إلى الفصائل المسلحة المختلفة التي رفضت مبدأ التسويات، وتحارب من ينخرط فيها. ورغم أن هناك عدداً كبيراً من التفجيرات والأحداث الأمنية في المنطقة هي من مخلّفات ضغائن وثأر سنوات الحرب، فإن سببها الرئيسي هو تفلّت مجموعات كثيرة، و«ضعف» سلطة الدولة. على مدى السنتين الماضيتين، بات واضحاً أن العسكريين الروس هم من يحددون طريقة العمل في الجنوب، وهم يحولون دائماً دون شنّ الجيش السوري عمليات عسكرية، محددة أو واسعة، في المنطقة، ويقدّمون أنفسهم كوسطاء بين الدولة والمسلّحين، ويقومون بعقد اتفاقات وتسويات، كثير منها لم ينجح حتى الآن.