وسط ظروف اقتصادية استثنائية تشهدها سوريا، جاء ارتفاع أسعار الأدوية أضعافاً، وفقدان واحتكار قسم كبير منها، ليحمّل السوريين أعباء إضافية عمّقت أزمة المعيشة الخانقة. فمنذ أسابيع، عانى كثيرون صعوبة في تأمين أدويتهم وشعروا بخطرٍ يهدّد حياتهم، ولم يجدوا عوناً لهم سوى المبادرات المجتمعية التي حاولت مساعدتهم قدر المستطاع.

بدأت لينا تشعر بأزمة فقدان الأدوية قبل شهرين تقريباً، حين اضطرت، إلى تأمين دواء والدتها (60 عاماً) الخاص بمرضى القلب، إلى البحث في الكثير من الصيدليات. وقبل نحو أسبوعين، فُقِد هذا الدواء من الصيدليات بشكل كامل، واستنفرت العائلة بين محافظتي دمشق وطرطوس لإيجاده.
قامت لينا بنشر طلبها في عددٍ من المجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي، التي أُنشئت لمساعدة الناس في أزمة الدواء الحالية، وخلال يومٍ واحدٍ، تمّت الاستجابة من قبل مبادرة «دوا ديليفري» التي أنشأها أحد أصدقائها، وتمّ تأمين علبة دواءٍ واحدة وإيصالها بشكلٍ مجاني مع ابتسامة أيضاً، حسب تعبيرها.
أما السيدة حليمة (72 عاماً) التي تعاني قائمة من الأمراض، على رأسها الضغط والسكري، فوجدت نفسها أمام ضائقة مالية بسبب ارتفاع أسعار الأدوية التي تأخذها يومياً والتي يصل عددها إلى 6 أنواع. وبعد بحث أحد أحفادها في صفحات «فيسبوك»، وجد في مبادرة «دواك عنّا» أغلب أصناف الأدوية التي تحتاج إليها جدته وإن كانت بكميات قليلة، سواء عينات مجانية أو عبوات مستعملة جزئياً، ما عدا دواء الضغط الذي ما زال مفقوداً، وفق قوله.

منصات مختلفة بهدف واحد
بأسماءٍ مختلفة، انطلقت عشرات المبادرات والحملات بهدفٍ واحدٍ؛ هو التخفيف من أزمة الدواء الحالية قدر المستطاع، فالهدف الذي من أجله أُطلقت مبادرة «الصيدلية المركزية المجتمعية» يتلخص حسب عاصم زين الدين، أحد مؤسسيها، بتلبية حاجة أشخاص فقدوا قدرة الحصول على أدويتهم؛ إما لعدم توافر المال الكافي أو عدم توافر الدواء بالصيدليات القريبة منهم، من خلال إنشاء منصة عرض وطلب للأدوية المطلوبة، والتنسيق بين المحتاج من جهة والمتبرع أو الوسيط من جهة أخرى.
ويقول زين الدين لـ«الأخبار»: «انتقلت المبادرة من مرحلة الاعتماد على المتبرعين من الناس العاديين بما تحتويه صيدليات منازلهم من أدوية وعدد محدود من الصيادلة لإدارة آلية العمل، إلى التواصل مع جهات تقدّم أدويةً بشكل مجاني أو بسعر مدعوم بكميات كبيرة، ليصل عدد المستفيدين خلال الأسبوع الأول من إطلاق المبادرة إلى 300 مستفيد والعدد في ازدياد».
أما الأدوية الأكثر طلباً على المنصة، وفق الصيدلانية ليال حجاز، أحد أعضاء المبادرة ذاتها، فكانت أدوية الأمراض المزمنة (وخاصة دواء الضغط) بشتى أصنافه وعياراته، رغم أنّ الطلبات شملت كل أنواع الأدوية تقريباً من المسكنات إلى أدوية السرطان.
وحرصاً على إتمام عمليات التبادل الدوائية المباشرة التي تتم بين المتبرع والمستفيد بأحسن حال، لم يكن أمام المشرفين على المنصة إلا توجيه النصائح والتعليمات الضرورية (بشكل افتراضي)، أما في حال قيام الفريق بدور الوسيط فيتأكد أفراده من سلامة التغليف وصحة التخزين وتاريخ الصلاحية والوصفة التي يبرزها صاحب الحاجة، حسب قول حجاز.
حملة «شاركني» التي أطلقها فريق أطباء «ميددوز» عملت أيضاً على المساهمة في تخفيف الأزمة، من خلال الاعتماد على الأدوية الفائضة لدى المواطنين، أو على العينات المجانية الموجودة لدى الصيدليات والأطباء وإيصالها مجاناً إلى محتاجيها بعد فرزها والتأكد من صلاحيتها، بالإضافة إلى الجانب الإلكتروني من خلال نصائح عن الطب البديل والاستشارات الطبية المجانية. الصيدلانية منار العلي، من فريق «ميددوز»، توضح أنه لا يتم إيصال الأدوية بشكل اعتباطي حيث يسمح بتبادل أدوية (OTC) أي الأدوية التي تعطى دون وصفة طبية وبعض أدوية الأمراض المزمنة كالقلب والسكري والضغط «مع وجود بروتوكول معين لتسليم الدواء كالاطلاع على وصفة الدواء التي يحملها المريض».
لهفة أفراد المجتمع تجاه بعضهم البعض وسعيهم لتقديم المساعدة المجانية لمن يطلبها لا ينفي وجود بعض الأشخاص الذين يستغلون حاجة الناس ولا يعبأون بمشاعر غيرهم أو بصحتهم، هي إحدى الصعوبات التي واجهها القائمون على تلك المبادرات، إلى جانب صعوبة الوصول إلى المستفيدين أو المتبرعين بسبب بعد المسافات، عدا عن غياب مقرٍّ يجمع الفريق لتنسيق العمل والاعتماد على التواصل الافتراضي فقط.