ضحكات عفوية دافئة تتردّد من طفلة تعتلي أكتاف والدها، وهو يجول بها في حديقة «العروبة» وسط مدينة اللاذقية، تحت شمس الظهر الحارقة. يسألها عن اسمها فتقول: «أنا اسمي ماري عيسى». يضحك الأب غيث مهنّا ويعيد السؤال بلطف «بابا إنتي شو اسمك؟»؛ تجيب «ماري مهنّا»، ويطلق الاثنان ضحكة طويلة.

ينظر غيث إلى ساعته، ليحسب الوقت المتبقّي له قبل منتصف الظهيرة، والذي يسمح له خلاله لقاء ابنته في «مركز اللقاء الأسري» في اللاذقية، المعروف بمركز «الإراءة»، حيث يتاح للآباء المطلّقين رؤية أطفالهم لساعتين أسبوعياً.
يقول غيث، وهو عسكري منذ أكثر من ثماني سنوات في ريف اللاذقية: «منذ أربع سنوات اتفقنا أنا ووالدة ماري على الطلاق، بعد سلسلة خلافات ومشاكل وزيارات متتالية إلى المحكمة، انتهت أخيراً بالطلاق. حصلت طليقتي على كامل حقوقها، لكنها رفضت السماح لي برؤية ابنتي خارج مركز اﻹراءة، لم يكن أمامي خيار سوى الاستجابة لهذه الفكرة». ويشرح في حديث إلى «الأخبار» أن «القانون أعطاها الحضانة حتى سنّ الخامسة عشرة، ومحكومٌ عليّ إلى ذلك الوقت أن أرى ابنتي داخل مركز الإراءة، وبإشراف مديرة المركز».
يحاول الشاب إسعاد ابنته في الساعتين الأسبوعيتين، لذا يختار حديقة المركز للحصول على مساحة صغيرة تتيح «الخصوصية واللعب»، بدلاً من الجلوس في القاعة الداخلية تحت أنظار المراقبين. يتساءل بحزن: «كيف يمكن أن يمدّ الأب ابنته بالحب والحنان تحت إشراف حكومي؟ أين دوري في تربية ابنتي وبناء شخصيتها وتكوينها النفسي؟».
رغم ذلك، لا يعترض غيث ولا يتواصل مع زوجته السابقة، رغم أنهما يسكنان في الحي نفسه، ولا يفصله عن مسكن ابنته سوى بناء واحد. يشرح معاناته: «أراها أحياناً وهي تلعب مع الأطفال أمام المنزل، أركض لأضمها إلى صدري قليلاً، لكن والدتها عندما تراني تأخذها مباشرة، وتمنعني حتى من التواصل معها عبر الهاتف خلال الأسبوع».
تعيش ماري «حالة من التناقض والخوف» على حدّ قول والدها، وهي «لا تستطيع تحديد مشاعرها، هل تحبني أم تحب أمها، لذلك أجدها الضحية الأولى لهذا الانفصال ولهذا القانون، الذي همّش دور الأب الأسري وحرمني من المساهمة في تربيتها».
يشرح الشاب الذي عاش على جبهات القتال سنوات طويلة: «زرت مرة القاضي الشرعي في اللاذقية، طلبت منه أن أرى ابنتي أكثر من مرة في الأسبوع لوقت أطول خارج المركز، كانت إجابته: لا تستطيع ذلك، وعندما تكمل الخمس سنوات يمكنك أن تأخذها يوماً كاملاً في الأسبوع».

«أين أبي؟»
«مقابل ضحكات ماري ووالدها، بكت الطفلة ساندي (أقل من ثلاثة أعوام) بحرقة حين وصلت إلى المركز مع والدتها، ولم يأت الأب على الموعد المفترض للقائها. تقول والدة ساندي «هذا اليوم الثالث الذي نأتي فيه أنا وابنتي إلى هنا، لكن والدها لا يأتي. رغم أنه بعد طلاقنا هو الذي بادر وطلب رؤيتها عن طريق مركز الإراءة، لم أسمع بهذا المركز سابقاً».
وتشرح السيدة التي فضّلت عدم ذكر اسمها: «يقول إنه في خطوط الجبهة الأمامية، لذلك طلب أن يرى ابنته ثلاثة أيام متتالية في الشهر، لعدم قدرته على السفر كل أسبوع من دمشق إلى اللاذقية، لكنه لم يحضر أبداً رغم استقرار الأحوال وتراجع المعارك».
لم تعلن الأم طلاقها أمام أقاربها وأصدقائها، فالمشكلة مع زوجها ما زالت عالقة في المحكمة أمامهم، أما في الحقيقة فالطلاق وقع منذ نحو عامين وانتهى الأمر. تقول في حديثها إلى «الأخبار» إنها تعرّضت «للتعنيف والخيانة والسرقة» على يد زوجها السابق، وإنها موظفة حكومية «تحارب من أجل تربية ابنتها في مجتمع يُلصق وصمة العار بجانب اسم كل امرأة مطلقة».
تشرح والدة ساندي: «كل أربعة أشهر يزور (الوالد) المركز مرة واحدة لرؤيتها، بينما أُجبر على القدوم ثلاث مرات في الشهر، لأنه في حال تخلّفي يلاحقني قانونياً (...) أصبحت ساندي متقلّبة الأطوار، تبكي لساعات بعد خروجنا، تُكثر من الأسئلة التي لا أملك إجابة عليها، أين أبي؟ لماذا لا يأتي؟».

«بيت للمحضون»
في مقابل اعتراض بعض الآباء والأمهات على آلية تطبيق القانون، توضح المحامية رهادة عبدوش، أن «القانون حريص على استقرار الطفل النفسي وعدم تشتته بين والديه، لذا أقرّ الحضانة للأم حتى سن 15 عاماً. ويحق للأب خلال هذه الفترة أن يرى طفله أو طفلته مرة واحدة أسبوعياً ويلعب معه أو معها». الحضانة حق للطفل، وليس للأب أو الأم، حسب قول المحامية عبدوش: «نحن نطالب ببيت للمحضون، أن تكون الحضانة للطرف القادر على رعاية الطفل أو الطفلة مادياً ونفسياً وتربوياً، كما يجب أن تعمل الدولة عبر وزارة العدل على حماية الأطفال من مخاطر تصفية الحسابات بين الوالدين، عن طريق سعي كل طرف لاستخدام القانون لحرمان الطرف الآخر من رؤية طفله أو طفلته».

خلفية قانونية وتاريخية
بحسب المادة 139 من قانون الأحوال الشخصية السوري، فإن حق الحضانة للأم، على أن تنتهي الحضانة بحسب المادة 146 بإتمام المحضون (ذكر أو أنثى) الخامسة عشرة من العمر، ليخيّر بعدها في الإقامة عند أحد الأبوين.
ولكل من الأبوين رؤية أولاده القاصرين دورياً في مكان إقامتهم بحسب المادة 148 من قانون الأحوال الشخصية. وعند المعارضة لذلك، يحق للقاضي أن يأمر بتأمين هذا الحق عن طريق «مركز الإراءة».

وفي اللاذقية، أنشئ المركز منذ أكثر من ربع قرن على الكورنيش الجنوبي، ثم نُقل إلى حديقة «العروبة» وسط المدينة، منذ سنوات. وخلال إعداد هذا الريبورتاج، حاولنا التواصل مع المديرة المسؤولة عن المركز، إلا أنها اشترطت للتعاون معنا الحصول على إذن رسمي من النائب العام في اللاذقية، الذي رفض اﻷمر وطلب مهمة رسمية يرفعها إلى وزير العدل ليوافق عليها، وفي حال وافق الوزير يُسمح لنا بالدخول والتصوير وإجراء حوار مع المديرة، اﻷمر الذي قد يستغرق أشهراً لحصوله.