في زمن «كورونا»، لا وقت لديك للحديث عن روعة الحياة وعمق المعنى، لن يسعفك الوقت لتفكّر في هذا الكوكب الذي ستغادره فجأة، لن تعود لتسأل من يحكمه ويتحكّم فيه، لا وقت لتطلب من الله أن يمدّ في عمرك أو تفكر في ذاك الله الذي ترحل إليه، لا وقت للتفكير في حلمك كيف سينمو بعد الآن. أنت مطارد ولن تبلغ السبعين، ستغيب قبل أن ينال منك التعب، لا أحد في وداعك، أنت وموتك فقط، يشدّ أحدكما عزيمة الآخر، تتّكئ على صدره فيُغمض عينيك بلطف قبل أن يأخذك فتخرج من دون أن يكون متاحاً لك الالتفات ولو لمرة أخيرة. كل ما لديك، هو محاولة لمنح احتضار روحك العنيدة خلوداً ما، ولكن! كيف سيكون لك تحقيق هذا الخلود من دون أن يكون من المسموح لك أن تكون بين يدي أحد ما؟ شخص واحد فقط يُمسك بيديك كي تدخل العدم مطمئناً، شخص قريب يحدّق طويلاً في حزن عينيك ثم يفرّ هارباً إلى مكان آمن.

الاحتضار في زمن «كورونا» أبداً لا يعني الموت، فالموت هو الكائن اللطيف الوحيد الذي لا يكذب، ننتظره ويأتي في موعده، منتج الضجر والملل هو وربما منتج الحب وحتماً هو «الوعد الأخير»، وعلى الدوام ثمة سؤال: ما الذي يفكّر فيه الإنسان في لحظة احتضاره وقبل الغياب بقليل؟ سؤالٌ من الأجدر بنا توجيهه إلى من يواجه احتضار الحياة بموت المعنى، بنمو الغربة، بوهم الوهم، من لديه ما يكفي من الشجاعة ليجيب عن سواد هذا السؤال وأيّ محتضرٍ على قيد الانتظار يمتلك رغبة البوح بما لا يسع مدمن على الركض أن يجيب عنه؟
لن ينتهي «كورونا» غداً أو بعد غد ولن يختفي، لكنه سيحتضر، سينطفئ عندما يأكله الضجر ويلتهمه الانتظار، تماماً مثلنا نحن البشر، لا ذنب لـ«كورونا» في موتنا المُستجد، سبق لشابٍ وسيم أن مات موتاً حقيقياً عندما فشل في هزيمة فكرة برّاقة أكلت رأسه وسبق لآخر أن مات موتاً حقيقياً عندما عجز عن قتل فكرة طائفية نالت من روحه، في لحظة كتابة هذه الكلمات، كانت هناك صبيّة تعيش احتضاراً حقيقياً وهي تقف متردّدة أمام عتبة قلب «فتى شقي» يتملّكها الرعب عمّن يستوطنه، تخشى النظر وإطالة التحديق، تتمنى أن تكون هي وتخشى أن لا تكون.
مؤلم احتضار الجسد كفكرة، هذا صحيح، لكن احتضار الجسد يضع نهاية للأوهام والآلام، بعد موت الجسد بقليل فقط، لا يبقى منك سوى بضع صور على هاتفك المتروك بدون حتى «كلمة مرور» تُغري ولو متطفلاً واحداً برؤية داخلك المسكوب في رسائل نصية كثيرة لم تجرؤ على إرسال ولو واحدة منها. جميل هو الاحتضار في زمن «كورونا»، لحظة طارئة تخفف فيها الأعباء عن روحك، لو أن بيولوجيا «كورونا» تسمح لي فقط بمعانقة من أتمناه «رفيقاً لدربي»، قبل أن أطلق آخر ضحكة في وجه كل هذا الفراغ المتوحّش وأغرب، فوباء «كورونا» لا يساوي شيئاً أمام وباء آخر قاتل اسمه «الحب».