الحسكة | يقف أبو ثامر، وهو أحد أبناء مدينة الحكسة شمال شرقي سوريا، أمام أحد صهاريج المياه التي تعاقد معها مجلس المدينة لتأمين مياه الشرب للمدنيين، في معاناة تتكرّر للمرة الثالثة منذ احتلال الجيش التركي مدينة رأس العين وأريافها. يقول أبو ثامر لـ«الأخبار» إنه في الوقت الذي يلتزم فيه العالم كله الحجر المنزلي للوقاية من فيروس كورونا «نقف في الطوابير للحصول على مياه الشرب». يبدي الرجل انفعالاً كبيراً ويضيف: «لو أن الجيش التركي يملك ذرة إنسانية، لكان عليه ألا يقطع المياه في وقت الناس بحاجة إليها للتعقيم قبل الشرب، لكنهم مجرمون». بالجوار أيضاً، تستعطف أم محمد أحد أصحاب الصهاريج لتعبئة خزّان صغير عند مدخل منزلها العربي في حي المحطّة، لأنها غير قادرة على حمل العبوات والأواني لتعبئتها من الصهريج مباشرة. هذان المشهدان جزء بسيط من معاناة سكان الحسكة لليوم الخامس على التوالي جراء قطع مياه الشرب، وسط تصاعد المخاوف من استمرار المأساة لأيام طويلة. وأدّت خطوة الجيش التركي بطرد العاملين من محطة «مياه علوك» التي تغذي المدينة، وإيقاف الضخ منها، إلى انقطاع الماء عن أكثر من 600 ألف مدني من سكان المدينة وأريافها، وبلدتي تل تمر وأبو رأسين وقراهما.
يعمل الجيش التركي بقاعدة المياه للحسكة مقابل الكهرباء لمناطق «نبع السلام»


وكان الأتراك قد قطعوا مياه الشرب عن الحسكة في الرابع والعشرين من الشهر الماضي لأحد عشر يوماً، وذلك لإلزام «الإدارة الذاتية» الكردية إيصال الكهرباء إلى تل أبيض ورأس العين اللتين يحتلهما، قبل أن يعيدوا الضخ بعد وساطة روسية انتهت بالاتفاق على إيصال المياه مقابل الكهرباء لمناطق «نبع السلام». بعد ذلك، اتهمت تنسيقيات المسلحين الموالين لأنقرة «الإدارة الذاتية» بانتهاك الاتفاق وتخفيض كميّات الكهرباء الواصلة إلى مناطقهم، ما دفع الجيش التركي والمسلحين إلى إيقاف الضخّ من «مياه علوك». في المقابل، ردّت «الذاتية» عبر مؤتمر لمديرية المياه، أكدت فيه أن «القوات التركية قطعت المياه بعد استفزاز الإدارة الذاتية بطلب الكهرباء وموادّ أخرى». وفي خطوة بدت كمحاولة لإلزام الأتراك قبول الأمر الواقع، كشفت الإدارة الكردية عن «البدء في حفر 50 بئراً ارتوازية لسدّ حاجة المنطقة من المياه». وأمام هذا الواقع، تبدو معاناة المدنيين مضاعفة نتيجة الحاجة إلى كميات أكبر بعد الإعلان رسمياً بوصول الفيروس إلى سوريا.
يقول مدير مؤسسة المياه في الحسكة، محمود العكلة، لـ«الأخبار»، إن «ورشات المديرية تتجه يومياً إلى المحطة لتشغيل المياه لكن الجيش التركي يطردها ويمنعها من إعادة الضخ»، مستدركاً: «التنسيق مستمرّ مع الروس لإعادة العمال إلى المحطة، واستئناف ضخّ المياه». ويشرح العكلة أن «علوك» هي المصدر المائي الوحيد لتغذية التجمعات السكانية في الحسكة وأريافها، مشدداً على أنه «لا بديل في الظروف الراهنة... الخطوة التركية ترقى إلى جريمة حرب يجب أن يحاسب عليها المجتمع الدولي». ويضيف: «الجهات الحكومية بدأت اتخاذ إجراءات إسعافية لتأمين جزء من احتياجات المدنيين إلى حين إعادة ضخّ المياه من المحطة». في السياق، يؤكد مصدر مطلع على مسار التفاوض التركي ــــ الروسي أن «القوات الروسية الموجودة في مطار القامشلي تتواصل مع الجانب التركي للتوصّل إلى حلول دائمة تضمن منع تكرار معاناة المدنيين مع مياه الشرب»، لافتاً إلى أن «الجانب التركي بدأ يُبدي مرونة في التعاطي مع هذا الملف»، ومتوقّعاً استئناف الضخّ من المحطة «خلال مدة وجيزة». وفي وقت متأخر مساء أمس، نقلت وكالة «سانا» الرسمية أن محطة «علوك» عادت للضخّ لكن مصادر أهلية في الحسكة قالت إن المياه لم تصل بعد إلى خزانات المدينة.